ثم قال تعالى: { ما ضل صاحبكم وما غوى } أكثر المفسرين لم يفرقوا بين الضلال والغي ، والذي قاله بعضهم عند محاولة الفرق: أن الضلال في مقابلة الهدى ، والغي في مقابلة الرشد ، قال تعالى: { وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرشد لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الغى يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا } [ الأعراف: 146 ] وقال تعالى: { قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي } [ البقرة: 256 ] وتحقيق القول فيه أن الضلال أعم استعمالًا في الوضع ، تقول ضل بعيري ورحلي ، ولا تقول غوى ، فالمراد من الضلال أن لا يجد السالك إلى مقصده طريقًا أصلا ، والغواية أن لا يكون له طريق إلى المقصد مستقيم يدلك على هذا أنك تقول للمؤمن الذي ليس على طريق السداد إنه سفيه غير رشيد ، ولا تقول إنه ضال ، والضال كالكافر ، والغاوي كالفاسق ، فكأنه تعالى قال: { مَا ضَلَّ } أي ما كفر ، ولا أقل من ذلك فما فسق ، ويؤيد ما ذكرنا قوله تعالى: { فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم } [ النساء: 6 ] أو نقول الضلال كالعدم ، والغواية كالوجود الفاسد في الدرجة والمرتبة ، وقوله { صاحبكم } فيه وجهان الأول: سيدكم والآخر: مصاحبكم ، يقال صاحب البيت ورب البيت ، ويحتمل أن يكون المراد من قوله { مَا ضَلَّ } أي ما جن ، فإن المجنون ضال ، وعلى هذا فهو كقوله تعالى: { ن والقلم وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ } [ القلم: 1_ 3 ] فيكون إشارة إلى أنه ما غوى ، بل هو رشيد مرشد دال على الله بإرشاد آخر ، كما قال تعالى: { قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ } [ الشعراء: 109 ] وقال: { إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الله } [ يونس: 72 ] وقوله تعالى: { وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } [ القلم: 4 ] إشارة إلى قوله ههنا { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى } فإن هذا خلق عظيم ، ولنبين الترتيب فنقول: قال أولًا { مَا ضَلَّ } أي هو على الطريق { وَمَا غوى } أي طريقه الذي هو عليه مستقيم { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى } أي هو راكب متنه آخذ سمت المقصود ، وذلك لأن من يسلك طريقًا ليصل إلى مقصده فربما يبقى بلا طريق ، وربما يجد إليه طريقًا بعيدًا فيه متاعب ومهالك ، وربما يجد طريقًا واسعًا آمنًا ، ولكنه يميل يمنة ويسرة فيبعد عنه المقصد ، ويتأخر عليه الوصول ، فإذا سلك الجادة وركب متنها كان أسرع وصولًا ، ويمكن أن يقال { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى } دليل على أنه ما ضل وما غوى ، تقديره: كيف يضل أو يغوى وهو لا ينطق عن الهوى ، وإنما يضل من يتبع الهوى ، ويدل عليه قوله تعالى: { وَلاَ تَتَّبِعِ الهوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله } [ ص: 26 ] فإن قيل ما ذكرت من الترتيب الأول على صيغة الماضي في قوله { مَا ضَلَّ } وصيغة المستقبل في قوله { وَمَا يَنطِقُ } في غاية الحسن ، أي ما ضل حين اعتزلكم وما تعبدون في صغره { وَمَا غوى } حين اختلى بنفسه ورأى منامه ما رأى وما ينطق عن الهوى الآن حيث أرسل إليكم وجعل رسولًا شاهدًا عليكم ، فلم يكن أولًا ضالًا ولا غاويًا ، وصار الآن منقذًا من الضلالة ومرشدًا وهاديًا .