فهرس الكتاب

الصفحة 3833 من 8321

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: أن قوله: { إِن كُنتُمْ ءامَنْتُمْ بالله فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إن كنتم مسلمين } جزاء معلق على شرطين: أحدهما متقدم والآخر متأخر ، والفقهاء قالوا: المتأخر يجب أن يكون متقدمًا والمتقدم يجب أن يكون متأخرًا ومثاله أن يقول الرجل لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق إن كلمت زيدًا وإنما كان الأمر كذلك ، لأن مجموع قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق ، صار مشروطًا بقوله إن كلمت زيدًا ، والمشروط متأخر عن الشرط ، وذلك يقتضي أن يكون المتأخر في اللفظ متقدمًا في المعنى ، وأن يكون المتقدم في اللفظ متأخرًا في المعنى والتقدير: كأنه يقول لامرأته حال ما كلمت زيدًا إن دخلت الدار فأنت طالق ، فلو حصل هذا التعليق قبل إن كلمت زيدًا لم يقع الطلاق .

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: { إِن كُنتُمْ ءامَنْتُمْ بالله فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إن كنتم مسلمين } يقتضي أن يكون كونهم مسلمين شرطًا لأن يصيروا مخاطبين بقوله: { إِن كُنتُمْ ءامَنْتُمْ بالله فعليه توكلوا } فكأنه تعالى يقول للمسلم حال إسلامه إن كنت من المؤمنين بالله فعلى الله توكل ، والأمر كذلك ، لأن الإسلام عبارة عن الاستسلام ، وهو إشارة إلى الانقياد للتكاليف الصادرة عن الله تعالى وإظهار الخضوع وترك التمرد ، وأما الإيمان فهو عبارة عن صيرورة القلب عارفًا بأن واجب الوجود لذاته واحد وأن ما سواه محدث مخلوق تحت تدبيره وقهره وتصرفه ، وإذا حصلت هاتان الحالتان فعند ذلك يفوض العبد جميع أموره إلى الله تعالى ويحصل في القلب نور التوكل على الله فهذه الآية من لطائف الأسرار ، والتوكل على الله عبارة عن تفويض الأمور بالكلية إلى الله تعالى والاعتماد في كل الأحوال على الله تعالى .

واعلم أن من توكل على الله في كل المهمات كفاه الله تعالى كل الملمات لقوله: { وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ } [ الطلاق: 3 ] .

المسألة الثانية: أن هذا الذي أمر موسى قومه به وهو التوكل على الله هو الذي حكاه الله تعالى عن نوح عليه السلام أنه قال: { فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ } [ يونس: 71 ] وعند هذا يظهر التفاوت بين الدرجتين لأن نوحًا عليه السلام وصف نفسه بالتوكل على الله تعالى ، وموسى عليه السلام أمر قومه بذلك فكان نوح عليه السلام تامًا ، وكان موسى عليه السلام فوق التمام .

المسألة الثالثة: إنما قال: { فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ } ولم يقل توكلوا عليه ، لأن الأول يفيد الحصر كأنه عليه السلام أمرهم بالتوكل عليه ونهاهم عن التوكل على الغير ، والأمر كذلك ، لأنه لما ثبت أن كل ما سواه فهو ملكه وملكه وتحت تصرفه وتسخيره وتحت حكمه وتدبيره ، امتنع في العقل أن يتوكل الإنسان على غيره ، فلهذا السبب جاءت هذ الكلمة بهذه العبارة ، ثم بين تعالى أن موسى عليه السلام لما أمرهم بذلك قبلوا قوله: { فَقَالُواْ عَلَى الله تَوَكَّلْنَا } أي توكلنا عليه ، ولا نلتفت إلى أحد سواه ، ثم لما فعلوا ذلك اشتغلوا بالدعاء ، فطلبوا من الله تعالى شيئين: أحدهما: أن قالوا: { رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لّلْقَوْمِ الظالمين } وفيه وجوه: الأول: أن المراد لا تفتن بنا فرعون وقومه لأنك لو سلطتهم علينا لوقع في قلوبهم أنا لو كنا على الحق لما سلطتهم علينا ، فيصير ذلك شبهة قوية في إصرارهم على الكفر فيصير تسليطهم علينا فتنة لهم . الثاني: أنك لو سلطتهم علينا لاستوجبوا العقاب الشديد في الآخرة وذلك يكون فتنة لهم . الثالث: { لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لَهُمْ } أي موضع فتنة لهم ، أي موضع عذاب لهم . الرابع: أن يكون المراد من الفتنة المفتون ، لأن إطلاق لفظ المصدر على المفعول جائز ، كالخلق بمعنى المخلوق ، والتكوين بمعنى المكون ، والمعنى: لا تجعلنا مفتونين ، أي لا تمكنهم من أن يحملونا بالظلم والقهر على أن ننصرف عن هذا الدين الحق الذي قبلناه ، وهذا التأويل متأكد بما ذكره الله تعالى قبل هذه الآية وهو قوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت