فهرس الكتاب

الصفحة 7341 من 8321

إعلم أن قوله تعالى: { هَلْ أَدُلُّكُمْ } في معنى الأمر عند الفراء ، يقال: هل أنت ساكت أي اسكت وبيانه: أن هل ، بمعنى الاستفهام ، ثم يتدرج إلى أن يصير عرضًا وحثًا ، والحث كالإغراء ، والإغراء أمر ، وقوله تعالى: { على تجارة } هي التجارة بين أهل الإيمان وحضرة الله تعالى ، كما قال تعالى: { إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم بِأَنَّ لَهُمُ الجنة } [ التوبة: 111 ] دل عليه { تُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ } والتجارة عبارة عن معاوضة الشيء بالشيء ، وكما أن التجارة تنجي التاجر من محنة الفقر ، ورحمة الصير على ما هو من لوازمه ، فكذلك هذه التجارة وهي التصديق بالجنان والإقرار باللسان ، كما قيل في تعريف الإيمان فلهذا قال: بلفظ التجارة ، وكما أن التجارة في الربح والخسران ، فكذلك في هذا ، فإن من آمن وعمل صالحًا فله الأجر ، والربح الوافر ، واليسار المبين ، ومن أعرض عن العمل الصالح فله التحسر والخسران المبين ، وقوله تعالى: { تُنجِيكُم مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } قرىء مخففًا ومثقلًا ، { وَتُؤْمِنُونَ } استئناف ، كأنهم قالوا: كيف نعمل؟ فقال: { تُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ } وهو خبر في معنى الأمر ، ولهذا أجيب بقوله: { يَغْفِرْ لَكُمْ } وقوله تعالى: { وتجاهدون فِي سَبِيلِ الله } والجهاد بعد هذين الوجهين ثلاثة ، جهاد فيما بينه وبين نفسه ، وهو قهر النفس ، ومنعها عن اللذات والشهوات ، وجهاد فيما بينه وبين الخلق ، وهو أن يدع الطمع منهم ، ويشفق عليهم ويرحمهم وجهاد فيما بينه بين الدنيا وهو أن يتخذها زادًا لمعاده فتكون على خمسة أوجه ، وقوله تعالى: { ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ } يعني الذي أمرتم به من الإيمان بالله تعالى والجهاد في سبيله خير لكم من أن تتبعوا أهواءكم { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أي إن كنتم تنتفعون بما علمتم فهو خير لكم ، وفي الآية مباحث:

الأول: لم قال: { تُؤْمِنُونَ } بلفظ الخبر؟ نقول: للإيذان بوجوب الامتثال ، عن ابن عباس قالوا: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله تعالى لعملنا ، فنزلت هذه الآية ، فمكثوا ما شاء الله يقولون: يا ليتنا نعلم ما هي؟ فدلهم الله عليها بقوله: { تُؤْمِنُونَ بالله } .

الثاني: ما معنى: { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } نقول: { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أنه خير لكم كان خيرًا لكم ، وهذه الوجوه للكشاف ، وأما الغير فقال: الخوف من نفس العذاب لا من العذاب الأليم ، إذ العذاب الأليم هو نفس العذاب مع غيره ، والخوف من اللوازم كقوله تعالى: { وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ } [ آل عمران: 175 ] ومنها أن الأمر بالإيمان كيف هو بعد قوله: { يا أيها الذين آمنوا } فنقول: يمكن أن يكون المراد من هذه الآية المنافقين ، وهم الذين آمنوا في الظاهر ، ويمكن أن يكون أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فإنهم آمنوا بالكتب المتقدمة فكأنه قال: يا أيها الذين آمنوا بالكتب المتقدمة آمنوا بالله وبمحمد رسول الله ، ويمكن أن يكون أهل الإيمان كقوله: { فَزَادَتْهُمْ إيمانا } [ التوبة: 124 ] ، { لِيَزْدَادُواْ إيمانا } [ الفتح: 4 ] وهو الأمر بالثبات كقوله: { يُثَبّتُ الله الذين ءَامَنُواْ } [ إبراهيم: 27 ] وهو الأمر بالتجدد كقوله: { يَأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ } [ النساء: 136 ] وفي قوله A: « من جدد وضوءه فكأنما جدد إيمانه » ، ومنها: أن رجاء النجاة كيف هو إذا آمن بالله ورسوله ، ولم يجاهد في سبيل الله ، وقد علق بالمجموع ، ومنها أن هذا المجموع وهو الإيمان بالله ورسوله والجهاد بالنفس والمال في سبيل الله خبر في نفس الأمر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت