واعلم أنه تعالى بين فيما تقدم ما كان من موسى عليه السلام من المعجزات العظيمة وما ظهر من تلقف العصا لكل ما أحضروه من آلات السحر ، ثم إنه تعالى بين أنهم مع مشاهدة المعجزات العظيمة ما آمن به منهم إلا ذرية من قومه ، وإنما ذكر تعالى ذلك تسلية لمحمد A ، لأنه كان يغتم بسبب إعراض القوم عنه واستمرارهم على الكفر ، فبين أن له في هذا الباب بسائر الأنبياء أسوة ، لأن الذي ظهر من موسى عليه السلام كان في الإعجاز في مرأى العين أعظم ، ومع ذلك فما آمن به منهم إلا ذرية . واختلفوا في المراد بالذرية على وجوه: الأول: أن الذرية ههنا معناها تقليل العدد . قال ابن عباس: لفظ الذرية يعبر به عن القوم على وجه التحقير والتصغير ، ولا سبيل إلى حمله على التقدير على وجه الإهانة في هذا الموضع فوجب حمله على التصغير بمعنى قلة العدد . الثاني: قال بعضهم: المراد أولاد من دعاهم ، لأن الآباء استمروا على الكفر ، إما لأن قلوب الأولاد ألين أو دواعيهم على الثبات على الكفر أخف . الثالث: أن الذرية قوم كان آباؤهم من قوم فرعون وأمهاتهم من بني إسرائيل . الرابع: الذرية من آل فرعون آسية امرأة فرعون وخازنه وامرأة خازنه وماشطتها . وأما الضمير في قوله: { مِن قَوْمِهِ } فقد اختلفوا أن المراد من قوم موسى أو من قوم فرعون ، لأن ذكرهما جميعًا قد تقدم والأظهر أنه عائد إلى موسى ، لأنه أقرب المذكورين ولأنه نقل أن الذين آمنوا به كانوا من بني إسرائيل .
أما قوله: { على خَوْفٍ مّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ } ففيه أبحاث:
البحث الأول: أن أولئك الذين آمنوا بموسى كانوا خائفين من فرعون جدًا ، لأنه كان شديد البطش وكان قد أظهر العداوة مع موسى ، فإذا علم ميل القوم إلى موسى كان يبالغ في إيذائهم ، فلهذا السبب كانوا خائفين منه .
البحث الثاني: إنما قال: { وَمَلَئِهِمْ } مع أن فرعون واحد لوجوه: الأول: أنه قد يعبر عن الواحد بلفظ الجمع ، والمراد التعظيم قال الله تعالى: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر } [ الحجر: 9 ] الثاني: أن المراد بفرعون آل فرعون . الثالث: أن هذا من باب حذف المضاف كأنه أريد بفرعون آل فرعون .
ثم قال: { أَن يَفْتِنَهُمْ } أي يصرفهم عن دينهم بتسليط أنواع البلاء عليهم .
ثم قال: { وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الارض } أي لغالب فيها قاهر { وَإِنَّهُ لَمِنَ المسرفين } قيل: المراد أنه كثير القتل كثير التعذيب لمن يخالفه في أمر من الأمور ، والغرض منه بيان السبب في كون أولئك المؤمنين خائفين ، وقيل: إنما كان مسرفًا لأنه كان من أخس العبيد فادعى الإلهية .