فهرس الكتاب

الصفحة 2992 من 8321

اعلم أنه لما بين بقوله: { إِنَّمَا تُوعَدُونَ لأَتٍ } أمر رسوله من بعده أن يهدد من ينكر البعث عن الكفار ، فقال { قُلْ ياقوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ } وفيه مباحث:

البحث الأول: قرأ أبو بكر عن عاصم { مكاناتكم } بالألف ، على الجمع في كل القرآن ، والباقون { مَكَانَتِكُمْ } قال الواحدي: والوجه الإفراد ، لأنه مصدر ، والمصادر في أكثر الأمر مفردة ، وقد تجمع أيضًا في بعض الأحوال ، إلا أن الغالب هو الأول .

البحث الثاني: قال صاحب «الكشاف» : المكانة تكون مصدرًا ، يقال: مكن مكانة إذا تمكن أبلغ التمكن ، وبمعنى المكان ، يقال: مكان ومكانة ، ومقام ومقامة ، فقوله: { اعملوا على مَكَانَتِكُمْ } يحتمل اعملوا على تمكنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم ، ويحتمل أيضًا أن يراد اعملوا على حالتكم التي أنتم عليها يقال للرجل إذا أمر أن يثبت على حالة: على مكانتك يا فلان ، أي اثبت على ما أنت عليه لا تنحرف عنه { إِنّى عامل } أي أنا عامل على مكانتي ، التي عليها ، والمعنى: اثبتوا على كفركم وعداوتكم ، فأني ثابت على الإسلام ، وعلى مضارتكم { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } أيناله العاقبة المحمودة ، وطريقة هذا الأمر طريقة قوله: { اعملوا مَا شِئْتُمْ } وهي تفويض الأمر إليهم على سبيل التهديد .

البحث الثالث: من في قوله: { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقبة الدار } ذكر الفراء في موضعه من الإعراب وجهين: الأول: أنه نصب لوقوع العلم عليه . الثاني: أن يكون رفعًا على معنى: تعلمون أينا تكون له عاقبة الدار ، كقوله تعالى: { لِنَعْلَمَ أَيُّ الحِزْبَيْنِ } [ الكهف: 12 ] .

البحث الرابع: قوله: { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقبة الدار } يوهم أن الكافر ليست له عاقبة الدار ، وذلك مشكل .

قلنا: العاقبة ، تكون على الكافر ولا تكون له ، كما يقال: له الكثرة ولهم الظفر ، وفي ضده يقال: عليكم الكثرة والظفر .

البحث الخامس: قرأ حمزة والكسائي { مَّن يَكُونُ } بالياء وفي القصص أيضًا والباقون بالتاء في السورتين . قال الواحدي: العاقبة مصدر كالعافية ، وتأنيثه غير حقيقي ، فمن أنث ، فكقوله: { فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة } [ المؤمنون: 41 ] ومن ذكر فكقوله: { وَأَخَذَ الذين ظَلَمُواْ الصيحة } [ هود: 67 ] وقال: { قَدْ جَاءتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مّن رَّبّكُمْ } [ يونس: 57 ] وفي آية أخرى: { فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ } [ البقرة: 275 ] .

ثم قال تعالى: { إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون } والغرض منه بيان أن قوله: { اعملوا على مَكَانَتِكُمْ } تهديد وتخويف لا أنه أمر وطلب ، ومعناه: أن هؤلاء الكفار لا يفلحون ولا يفوزون بمطالبهم ألبتة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت