فهرس الكتاب

الصفحة 6654 من 8321

{ إِذْ } يحتمل أن يكون ظرفًا فلا بد من فعل يقع فيه ويكون عاملًا له ، ويحتمل أن يكون مفعولًا به ، فإن قلنا إنه ظرف فالفعل الواقع فيه يحتمل أن يقال هو مذكور ، ويحتمل أن يقال هو مفهوم غير مذكور ، فإن قلنا هو مذكور ففيه وجهان أحدهما: هو قوله تعالى: { وَصَدُّوكُمْ } [ الفتح: 25 ] أي وصدوكم حين جعلوا في قلوبهم الحمية وثانيها: قوله تعالى: { لَعَذَّبْنَا الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ } [ الفتح: 25 ] أي لعذبناهم حين جعلوا في قلوبهم الحمية والثاني: أقرب لقربه لفظًا وشدة مناسبته معنى لأنهم إذا جعلوا في قلوبهم الحمية لا يرجعون إلى الاستسلام والانقياد ، والمؤمنون لما أنزل الله عليهم السكينة لا يتركون الاجتهاد في الجهاد والله مع المؤمنين فيعذبونهم عذابًا أليمًا أو غير المؤمنين ، وأما إن قلنا إن ذلك مفهوم غير مذكور ففيه وجهان أحدهما: حفظ الله المؤمنين عن أن يطئوهم وهم الذين كفروا الذين جعل في قلوبهم الحمية وثانيها: أحسن الله إليكم إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية ، وعلى هذا فقوله تعالى: { فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ } تفسير لذلك الإحسان ، وأما إن قلنا إنه مفعول به ، فالعامل مقدر تقديره أذكر ، أي: أذكر ذلك الوقت ، كما تقول أتذكر إذ قام زيد ، أي أتذكر وقت قيامه كما تقول أتذكر زيدًا ، وعلى هذا يكون الظرف للفعل المضاف إليه عاملًا فيه ، وفي . لطائف معنوية ولفظية: الأولى: هو أن الله تعالى أبان غاية البون بين الكافر والمؤمن ، فأشار إلى ثلاثة أشياء أحدها: جعل ما للكافرين بجعلهم فقال: { إِذْ جَعَلَ الذين كَفَرُواْ } وجعل ما للمؤمنين بجعل الله ، فقال: { فَأَنزَلَ الله } وبين الفاعلين ما لا يخفى ثانيها: جعل للكافرين الحمية وللمؤمنين السكينة وبين المفعولين تفاوت على ما سنذكره ثالثها: أضاف الحمية إلى الجاهلية وأضاف السكينة إلى نفسه حيث قال: حمية الجاهلية ، وقال: سكينته ، وبين الإضافتين ما لا يذكر الثانية: زاد المؤمنين خيرًا بعد حصول مقابلة شيء بشيء فعلهم بفعل الله والحمية بالسكينة والإضافة إلى الجاهلية بالإضافة إلى الله تعالى: { وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى } وسنذكر معناه ، وأما اللفظية فثلاث لطائف الأولى: قال في حق الكافر ( جعل ) وقال في حق المؤمن ( أنزل ) ولم يقل خلق ولا جعل سكينته إشارة إلى أن الحمية كانت مجعولة في الحال في العرض الذي لا يبقى ، وأما السكينة فكانت كالمحفوظة في خزانة الرحمة معدة لعباده فأنزلها الثانية: قال الحمية ثم أضافها بقوله { حَمِيَّةَ الجاهلية } لأن الحمية في نفسها صفة مذمومة وبالإضافة إلى الجاهلية تزداد قبحًا ، وللحمية في القبح درجة لا يعتبر معها قبح القبائح كالمضاف إلى الجاهلية . وأما السكينة في نفسها وإن كانت حسنة لكن الإضافة إلى الله فيها من الحسن ما لا يبقى معه لحسن اعتبار ، فقال { سَكِينَتَهُ } اكتفاه بحسن الإضافة الثالثة: قوله { فَأنزَلَ } بالفاء لا بالواو إشارة إلى أن ذلك كالمقابلة تقول أكرمني فأكرمته للمجازاة والمقابلة ولو قلت أكرمني وأكرمته لا ينبىء عن ذلك ، وحينئذ يكون فيه لطيفة: وهي أن عند اشتداد غضب أحد العدوين فالعدو الآخر إما أن يكون ضعيفًا أو قويًا ، فإن كان ضعيفًا ينهزم وينقهر ، وإن كان قويًا فيورث غضبه فيه غضبًا ، وهذا سبب قيام الفتن والقتال فقال في نفس الحركة عند حركتهم ما أقدمنا وما انهزمنا ، وقوله تعالى: { فَأَنزَلَ الله } بالفاء يدل تعلق الإنزال بالفاء على ترتيبه على شيء ، نقول فيه وجهان: أحدهما: ما ذكرنا من أن إذ ظرف كأنه قال أحسن الله { إِذْ جَعَلَ الذين كَفَرُواْ } وقوله { فَأنزَلَ } تفسير لذلك الإحسان كما يقال أكرمني فأعطاني لتفسير الإكرام وثانيهما: أن تكون الفاء للدلالة على أن تعلق إنزال السكينة بجعلهم الحمية في قلوبهم على معنى المقابلة ، تقول أكرمني فأثنيت عليه ، ويجوز أن يكونا فعلين واقعين من غير مقابلة ، كما تقول جاءني زيد وخرج عمرو ، وهو هنا كذلك لأنهم لما جعلوا في قلوبهم الحمية فالمسلمون على مجرى العادة لو نظرت إليهم لزم أن يوجد منهم أحد الأمرين: إما إقدام ، وإما انهزام لأن أحد العدوين إذا اشتد غضبه فالعدو الآخر إن كان مثله في القوة يغضب أيضًا وهذا يثير الفتن ، وإن كان أضعف منه ينهزم أو ينقاد له فالله تعالى أنزل في مقابلة حمية الكافرين على المؤمنين سكينته حتى لم يغضبوا ولم ينهزموا بل يصبروا ، وهو بعيد في العادة فهو من فضل الله تعالى ، قوله تعالى: { على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين } فإنه هو الذي أجاب الكافرين إلى الصلح ، وكان في نفس المؤمنين أن لا يرجعوا إلا بأحد الثلاثة بالنحر في المنحر ، وأبوا أن لا يكتبوا محمدًا رسول الله وبسم الله ، فلما سكن رسول الله A سكن المؤمنون ، وقوله تعالى: { وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى } فيه وجوه أظهرها أنه قول لا إله إلا الله فإن بها يقع الاتقاء عن الشرك ، وقيل هو بسم الله الرحمن الرحيم ومحمد رسول الله فإن الكافرين أبوا ذلك والمؤمنون التزموه ، وقيل هي الوفاء بالعهد إلى غير ذلك ونحن نوضح فيه ما يترجح بالدليل فنقول { وَأَلْزَمَهُمْ } يحتمل أن يكون عائدًا إلى النبي A والمؤمنين جميعًا يعني ألزم النبي والمؤمنين كلمة التقوى ، ويحتمل أن يكون عائدًا إلى المؤمنين فحسب ، فإن قلنا إنه عائد إليهما جميعًا نقول هو الأمر بالتقوى فإن الله تعالى قال للنبي A:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت