فهرس الكتاب

الصفحة 4147 من 8321

اعلم أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم طعنوا في نبوته بسبب طعنهم في الحشر والنشر أولًا ، ثم طعنوا في نبوته بسبب طعنهم في صحة ما ينذرهم به من نزول عذاب الاستئصال ثانيًا ، ثم طعنوا في نبوته بأن طلبوا منه المعجزة والبينة ثالثًا ، وهو المذكور في هذه الآية .

واعلم أن السبب فيه أنهم أنكروا كون القرآن من جنس المعجزات وقالوا: هذا كتاب مثل سائر الكتب وإتيان الإنسان بتصنيف معين وكتاب معين لا يكون معجزة ألبتة ، وإنما المعجز ما يكون مثل معجزات موسى وعيسى عليهما السلام .

واعلم أن من الناس من زعم أنه لم يظهر معجز في صدق محمد E سوى القرآن . قالوا: إن هذا الكلام ، إنما يصح إذا طعنوا في كون القرآن معجزًا ، مع أنه ما ظهر عليه نوع آخر من المعجزات ، لأن بتقدير أن يكون قد ظهر على يده نوع آخر من المعجزات لامتنع أن يقولوا: { لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } فهذا يدل على أنه عليه السلام ما كان له معجز سوى القرآن .

واعلم أن الجواب عنه من وجهين: الأول: لعل المراد منه طلب معجزات سوى المعجزات التي شاهدوا منه A كحنين الجذع ونبوع الماء من بين أصابعه وإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل ، فطلبوا منه معجزات قاهرة غير هذه الأمور: مثل فلق البحر بالعصا ، وقلب العصا ثعبانًا .

فإن قيل: فما السبب في أن الله تعالى منعهم وما أعطاهم؟

قلنا إنه لما أظهر المعجزة الواحدة فقد تم الغرض فيكون طلب الباقي تحكمًا وظهور القرآن معجزة ، فما كان مع ذلك حاجة إلى سائر المعجزات ، وأيضًا فلعله تعالى علم أنهم يصرون على العناد بعد ظهور تلك المعجزات الملتمسة ، وكانوا يصيرون حينئذ مستوجبين لعذاب الاستئصال ، فلهذا السبب ما أعطاهم الله تعالى مطلوبهم ، وقد بين الله تعالى ذلك بقوله: { وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ } [ الأنفال: 23 ] بين أنه لم يعطهم مطلوبهم لعلمه تعالى أنهم لا ينتفعون به ، وأيضًا ففتح هذا الباب يفضي إلى ما لا نهاية له . وهو أنه كلما أتى بمعجزة جاء واحد آخر ، فطلب منه معجزة أخرى ، وذلك يوجب سقوط دعوة الأنبياء عليهم السلام ، وأنه باطل .

الوجه الثاني: وفي الجواب لعل الكفار ذكروا هذا الكلام قبل مشاهدة سائر المعجزات . ثم إنه تعالى لما حكى عن الكفار ذلك قال: { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلّ قَوْمٍ هَادٍ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: اتفق القراء على التنوين في قوله: { هَادٍ } وحذف الياء في الوصل ، واختلفوا في الوقف ، فقرأ ابن كثير: بالوقف على الياء ، والباقون: بغير الياء ، وهو رواية ابن فليح عن ابن كثير للتخفيف .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت