فهرس الكتاب

الصفحة 4292 من 8321

اعلم أنه تعالى لما أجاب عن شبهة منكري النبوة ، وكان قد ثبت أن القول بالنبوة مفرع على القول بالتوحيد أتبعه تعالى بدلائل التوحيد . ولما كانت دلائل التوحيد منها سماوية ، ومنها أرضية ، بدأ منها بذكر الدلائل السماوية ، فقال: { وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى السماء بُرُوجًا وزيناها للناظرين } قال الليث: البرج واحد من بروج الفلك ، والبروج جمع وهي اثنا عشر برجًا ، ونظيره قوله تعالى: { تَبَارَكَ الذى جَعَلَ فِى السماء بُرُوجًا } [ الفرقان: 61 ] وقال: { والسماء ذَاتِ البروج } [ البروج: 1 ] ووجه دلالتها على وجود الصانع المختار ، هو أن طبائع هذه البروج مختلفة على ما هو متفق عليه بين أرباب الأحكام ، وإذا كان الأمر كذلك فالفلك مركب من هذه الأجزاء المختلفة في الماهية والأبعاض المختلفة في الحقيقة ، وكل مركب فلا بد له من مركب يركب تلك الأجزاء والأبعاض بحسب الاختيار والحكمة ، فثبت أن كون السماء مركبة من البروج يدل على وجود الفاعل المختار ، وهو المطلوب ، وأما قوله: { وزيناها للناظرين * وحفظناها مِن كُلّ شيطان رَّجِيمٍ * إِلاَّ مَنِ استرق السمع فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ } فقد استقصينا الكلام فيه في سورة الملك في تفسير قوله تعالى: { وَلَقَدْ زَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رُجُومًا للشياطين } [ الملك: 5 ] فلا نعيد ههنا إلا القدر الذي لا بد منه قوله: { وزيناها } أي بالشمس والقمر والنجوم { للناظرين } أي للمعتبرين بها والمستدلين بها على توحيد صانعها وقوله: { وحفظناها مِن كُلّ شيطان رَّجِيمٍ } .

فإن قيل: ما معنى وحفظناها من كل شيطان رجيم ، والشيطان لا قدرة له على هدم السماء فأي حاجة إلى حفظ السماء منه .

قلنا: لما منعه من القرب منها ، فقد حفظ السماء من مقاربة الشيطان فحفظ الله السماء منهم كما قد يحفظ منازلنا عن متجسس يخشى منه الفساد ثم نقول: معنى الرجم في اللغة الرمي بالحجارة . ثم قيل للقتل رجم تشبيهًا له بالرجم بالحجارة ، والرجم أيضًا السب والشتم لأنه رمي بالقول القبيح ومنه قوله: { لأَرْجُمَنَّكَ } أي لأسبنك ، والرجم اسم لكل ما يرمى به ، ومنه قوله: { وجعلناها رُجُومًا للشياطين } [ الملك: 5 ] أي مرامي لهم ، والرجم القول بالظن ، ومنه قوله: { رَجْمًا بالغيب } [ الكهف: 22 ] لأنه يرميه بذلك الظن والرجم أيضًا اللعن والطرد ، وقوله الشيطان الرجيم ، قد فسروه بكل هذه الوجوه . قال ابن عباس Bهما: كانت الشياطين لا تحجب عن السموات ، فكانوا يدخلونها ويسمعون أخبار الغيوب من الملائكة فيلقونها إلى الكهنة ، فلما ولد عيسى عليه السلام منعوا من ثلاثة سموات ، فلما ولد رسول الله A منعوا من السموات كلها ، فكل واحد منهم إذا أراد استراق السمع رمى بشهاب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت