اعلم أنه تعالى لما وصف الولد البار بوالديه في الآية المتقدمة ، وصف الولد العاق لوالديه في هذه الآية ، فقال: { والذي قَالَ لوالديه أُفّ لَّكُمَا } وفي هذه الآية قولان الأول: أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر ، قالوا كان أبواه يدعوانه إلى الإسلام فيأبى ، وهو { أُفٍّ لَّكُمَا } واحتج القائلون بهذا القول على صحته ، بأنه لما كتب معاوية إلى مروان يبايع الناس ليزيد ، قال عبد الرحمن بن أبي بكر: لقد جئتم بها هرقلية ، أتبايعون لأبنائكم؟ فقال مروان: يا أيها الناس هو الذي قال الله فيه { والذي قَالَ لوالديه أُفٍّ لَّكُمَا } . والقول الثاني: أنه ليس المراد من شخص معين ، بل المراد منه كل من كان موصوفًا بهذه الصفة ، وهو كل من دعاه أبواه إلى الدين الحق فأباه وأنكره ، وهذا القول هو الصحيح عندنا ، ويدل عليه وجوه الأول: أنه تعالى وصف هذا الذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني بقوله { أولئك الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مّنَ الجن والإنس إِنَّهُمْ كَانُواْ خاسرين } ولا شك أن عبد الرحمن آمن وحسن إسلامه ، وكان من سادات المسلمين ، فبطل حمل الآية عليه ، فإن قالوا: روي أنه لما دعاه أبواه إلى الإسلام وأخبراه بالبعث بعد الموت ، قال: { أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ } من القبر ، يعني أبعث بعد الموت { وَقَدْ خَلَتِ القرون مِن قَبْلِي } يعني الأمم الخالية ، فلم أر أحدًا منهم بعث فأين عبد الله بن جدعان ، وأين فلان وفلان؟ إذا عرفت هذا فنقول قوله { أولئك الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول } المراد هؤلاء الذين ذكرهم عبد الرحمن من المشركين الذين ماتوا قبله ، وهم الذين حق عليهم القول ، وبالجملة فهو عائد إلى المشار إليهم بقوله { وَقَدْ خَلَتِ القرون مِن قَبْلِي } لا إلى المشار إليه بقوله { والذي قَالَ لوالديه أُفٍّ لَّكُمَا } هذا ما ذكره الكلبي في دفع ذلك الدليل ، وهو حسن والوجه الثاني: في إبطال ذلك القول ، ما روي أن مروان لما خاطب عبد الرحمن بن أبي بكر بذلك الكلام سمعت عائشة ذلك فغضبت وقالت: والله ما هو به ، ولكن الله لعن أباك وأنت في صلبه الوجه الثالث: وهو الأقوى ، أن يقال إنه تعالى وصف الولد البار بأبويه في الآية المتقدمة ، ووصف الولد العاق لأبويه في هذه الآية ، وذكر من صفات ذلك الولد أنه بلغ في العقوق إلى حيث لما دعاه أبواه إلى الدين الحق ، وهو الإقرار بالبعث والقيامة أصر على الإنكار وأبى واستكبر ، وعول في ذلك الإنكار على شبهات خسيسة وكلمات واهية ، وإذا كان كذلك كان المراد كل ولد اتصف بالصفات المذكورة ولا حاجة ألبتة إلى تخصيص اللفظ المطلق بشخص معين ، قال صاحب «الكشاف» : قرىء { أُفّ } بالفتح والكسر بغير تنوين ، وبالحركات الثلاث مع التنوين ، وهو صوت إذا صوت به الإنسان علم أنه متضجر ، كما إذا قال حس ، علم أنه متوجع ، واللام للبيان معناه هذا التأفيف لكما خاصة ، ولأجلكما دون غيركما ، وقرىء { أَتَعِدَانِنِي } بنونين ، وأتعداني بأحدهما وأتعداني بالإدغام ، وقرأ بعضهم: أتعدانني بفتح النون كأنه استثقل اجتماع النونين والكسرين والياء ، ففتح الأولى تحريًا للتخفيف كما تحراه من أدغم ومن طرح أحدهما .