اعلم أن في وجه النظم وجوها: الأول: أنه تعالى لما بين خطأ من نسبه الى الغلول والخيانة أكد ذلك بهذه الآية ، وذلك لأن هذا الرسول ولد في بلدهم ونشأ فيما بينهم ، ولم يظهر منه طول عمره الا الصدق والأمانة والدعوة الى الله والإعراض عن الدنيا ، فكيف يليق بمن هذا حاله الخيانة .
الوجه الثاني: أنه لما بين خطأهم في نسبته الى الخيانة والغلول قال: لا أقنع بذلك ولا أكتفي في حقه بأن أبين براءته عن الخيانة والغلول ، ولكني أقول: إن وجوده فيكم من أعظم نعمتي عليكم فانه يزكيكم عن الطريق الباطلة ، ويعلمكم العلوم النافعة لكم في دنياكم وفي دينكم ، فأي عاقل يخطر بباله أن ينسب مثل هذا الانسان الى الخيانة .
الوجه الثالث: كأنه تعالى يقول: إنه منكم ومن أهل بلدكم ومن أقاربكم ، وأنتم أرباب الخمول والدناءة ، فاذا شرفه الله تعالى وخصه بمزايا الفضل والاحسان من جميع العالمين ، حصل لكم شرف عظيم بسبب كونه فيكم ، فطعنكم فيه واجتهادكم في نسبة القبائح اليه على خلاف العقل .
الوجه الرابع: أنه لما كان في الشرف والمنقبة بحيث يمن الله به على عباده وجب على كل عاقل أن يعينه بأقصى ما يقدر عليه ، فوجب عليكم أن تحاربوا أعداءه وأن تكونوا معه باليد واللسان والسيف والسنان ، والمقصود منه العود الى ترغيب المسلمين في مجاهدة الكفار وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: قال الواحدي C: للمن في كلام العرب معان: أحدها: الذي يسقط من السماء وهو قوله: { وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى } [ البقرة: 57 ] وثانيها: أن تمن بما أعطيت وهو قوله: { لاَ تُبْطِلُواْ صدقاتكم بالمن والأذى } [ البقرة: 264 ] وثالثها: القطع وهو قوله: { لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ ممنون } [ فصلت: 8 ] { وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ } ورابعها: الإنعام والإحسان إلى من لا تطلب الجزاء منه ، ومنه قوله: { هذا عَطَاؤُنَا فامنن أَوْ أَمْسِكْ } [ ص: 39 ] وقوله: { وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ } والمنان في صفة الله تعالى: المعطي ابتداء من غير أن يطلب منه عوضا وقوله: { لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين } أي أنعم عليهم وأحسن اليهم ببعثه هذا الرسول .
المسألة الثانية: أن بعثة الرسول إحسان الى كل العالمين ، وذلك لأن وجه الاحسان في بعثته كونه داعيا لهم الى ما يخلصهم من عقاب الله ويوصلهم الى ثواب الله ، وهذا عام في حق العالمين ، لأنه مبعوث الى كل العالمين ، كما قال تعالى: { وَمَا أرسلناك إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ } [ سبأ: 28 ] إلا أنه لما لم ينتفع بهذا الانعام الا أهل الاسلام ، فلهذا التأويل خص تعالى هذه المنة بالمؤمنين ، ونظيره قوله تعالى: { هُدًى لّلْمُتَّقِينَ } [ البقرة: 2 ] مع أنه هدى للكل ، كما قال: { هُدًى لّلنَّاسِ } [ البقرة: 185 ] وقوله: { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يخشاها } [ النازعات: 45 ] .
المسألة الثالثة: اعلم أن بعثة الرسول إحسان من الله إلى الخلق ثم إنه لما كان الانتفاع بالرسول أكثر كان وجه الانعام في بعثة الرسل أكثر ، وبعثة محمد A كانت مشتملة على الأمرين: أحدهما: المنافع الحاصلة من أصل البعثة ، والثاني: المنافع الحاصلة بسب ما فيه من الخصال التي ما كانت موجودة في غيره .