فهرس الكتاب

الصفحة 2746 من 8321

اعلم أنه تعالى لما حكم على أولئك المنكرين بالخسران في الآية الأولى بيّن في هذه الآية سبب ذلك الخسران ، وهو أمران: أحدهما: أن يفترى على الله كذبًا ، وهذا الافتراء يحتمل وجوهًا: الأول: أن كفار مكة كانوا يقولون هذه الأصنام شركاء الله ، والله سبحانه وتعالى أمرهم بعبادتها والتقرب إليها ، وكانوا أيضًا يقولون الملائكة بنات الله ، ثم نسبوا إلى الله تحريم البحائر والسوائب . وثانيها: أن اليهود والنصارى كانوا يقولون: حصل في التوراة والإنجيل أن هاتين الشريعتين لا يتطرق إليهما النسخ والتغيير ، وأنهما لا يجيء بعدهما نبي ، وثالثها: ما ذكره الله تعالى في قوله { وَإِذَا فَعَلُواْ فاحشة قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءَابَاءنَا والله أَمَرَنَا بِهَا } [ الأعراف: 28 ] ورابعها: أن اليهود كانوا يقولون { نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ } [ المائدة: 18 ] وكانوا يقولون { لَن تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } [ البقرة: 80 ] وخامسها: أن بعض الجهال منهم كان يقول: إن الله فقير ونحن أغنياء ، وأمثال هذه الأباطيل التي كانوا ينسبونها ألى الله كثيرة ، وكلها افتراء منهم على الله .

والنوع الثاني: من أسباب خسرانهم تكذيبهم بآيات الله ، والمراد منه قدحهم في معجزات محمد A ، وطعنهم فيها وإنكارهم كون القرآن معجزة قاهرة بينة ، ثم إنه تعالى لما حكى عنهم هذين الأمرين قال: { إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون } أي لا يظفرون بمطالبهم في الدنيا وفي الآخرة بل يبقون في الحرمان والخذلان .

وأما قوله { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا } ففي ناصب قوله { وَيَوْمَ } أقوال: الأول: أنه محذوف وتقديره { وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ } كان كيت وكيت ، فترك ليبقى على الابهام الذي هو أدخل في التخويف ، والثاني: التقدير اذكر يوم نحشرهم ، والثالث: أنه معطوف على محذوف كأنه قيل لا يفلح الظالمون أبدًا ويوم نحشرهم .

وأما قوله { ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } فالمقصود منه التقريع والتبكيت لا السؤال ، ويحتمل أن يكون معناه أين نفس الشركاء ، ويحتمل أن يكون المراد أين شفاعتهم لكم وانتفاعكم بهم ، وعلى كلا الوجهين: لا يكون الكلام إلا توبيخًا وتقريعًا وتقريرًا في نفوسهم أن الذي كانوا يظنونه مأيوس عنه ، وصار ذلك تنبيهًا لهم في دار الدنيا على فساد هذه الطريقة ، والعائد على الموصول من قوله { الذين كُنتُمْ تَزْعُمُونَ } محذوف ، والتقدير: الذين كنتم تزعمون أنهم شفعاء ، فحذف مفعول الزعم لدلالة السؤال عليه ، قال ابن عباس: وكل زعم في كتاب الله كذب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت