اعلم أنه تعالى لما وصف حال من اطمأن إلى الدنيا ، وصف حال من أطمأن إلى معرفته وعبوديته ، فقال: { يا أيتها النفس } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: تقدير هذا الكلام . يقول الله للمؤمن: { يا أيتها النفس } فإما أن يكلمه إكرامًا له كما كلم موسى عليه السلام أو على لسان ملك ، وقال القفال: هذا وإن كان أمرًا في الظاهر لكنه خبر في المعنى ، والتقدير أن النفس إذا كانت مطمئنة رجعت إلى الله ، وقال الله لها: { فادخلى فِى عِبَادِى * وادخلى جَنَّتِى } [ الفجر: 30 29 ] قال: ومجيء الأمر بمعنى الخبر كثير في كلامهم ، كقولهم: إذا لم تستح فاصنع ما شئت .
المسألة الثانية: الاطمئنان هو الاستقرار والثبات ، وفي كيفية هذا الاستقرار وجوه أحدها: أن تكون متيقنة بالحق ، فلا يخالجها شك ، وهو المراد من قوله: { ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى } [ البقرة: 260 ] وثانيها: النفس الآمنة التي لا يستفزها خوف ولا حزن ، ويشهد لهذا التفسير قراءة أبي بن كعب يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة ، وهذه الخاصة قد تحصل عند الموت عند سماع قوله: { أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بالجنة } [ فصلت: 30 ] وتحصل عند البعث ، وعند دخول الجنة لا محالة وثالثها: وهو تأويل مطابق للحقائق العقلية ، فنقول: القرآن والبرهان تطابقا على أن هذا الاطمئنان لا يحصل إلا بذكر الله ، أما القرآن فقوله: { أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب } [ الرعد: 28 ] وأما البرهان فمن وجهين الأول: أن القوة العاقلة إذا أخذت تترقى في سلسلة الأسباب والمسببات ، فكلما وصل إلى سبب يكون هو ممكنًا لذاته طلب العقل له سببًا آخر ، فلم يقف العقل عنده ، بل لا يزال ينتقل من كل شيء إلى ما هو أعلى منه ، حتى ينتهي في ذلك الترقي إلى واجب الوجود لذاته مقطع الحاجات . ومنتهى الضرورات ، فلما وقفت الحاجة دونه وقف العقل عنده واطمأن إليه ، ولم ينتقل عنه إلى غيره ، فإذًا كلما كانت القوة العاقلة ناظرة إلى شيء من الممكنات ملتفة إليه استحال أن تستقر عنده ، وإذا نظرت إلى جلال واجب الوجود ، وعرفت أن الكل منه استحال أن تنتقل عنه ، فثبت أن الاطمئنان لا يحصل إلا بذكر واجب الوجود الثاني: أن حاجات العبد غير متناهية وكل ما سوى الله تعالى فهو متناهي البقاء والقوة إلا بامداد الله ، وغير المتناهي لا يصير مجبورًا بالمتناهي ، فلا بد في مقابلة حاجة العبد التي لا نهاية لها من كمال الله الذي لا نهاية له ، حتى يحصل الاستقرار ، فثبت أن كل من آثر معرفة الله لا لشيء غير الله فهو غير مطمئن ، وليست نفسه نفسًا مطمئنة ، أما من آثر معرفة الله لشيء سواه فنفسه هي النفس المطمئنة ، وكل من كان كذلك كان أنسه بالله وشوقه إلى الله وبقاؤه بالله وكلامه مع الله ، فلا جرم يخاطب عند مفارقته الدنيا بقوله: { ارجعى إلى رَبّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً } وهذا كلام لا ينتفع الإنسان به إلا إذا كان كاملًا في القوة الفكرية الإلهية أو في التجريد والتفريد .