فهرس الكتاب

الصفحة 3820 من 8321

اعلم أن هذا نوع آخر من الأباطيل التي حكاها الله تعالى عن الكفار وهي قولهم: { اتخذ الله وَلَدًا } ويحتمل أن يكون المراد حكاية قول من يقول: الملائكة بنات الله ، ويحتمل أن يكون المراد قول من يقول: الأوثان أولاد الله ، ويحتمل أن يكون قد كان فيهم قوم من النصارى قالوا ذلك ثم إنه تعالى لما استنكر هذا القول قال بعده: { هُوَ الغني لَهُ مَا فِى السموات وَمَا فِي الأرض } .

واعلم أن كونه تعالى غنيًا مالكًا لكل ما في السموات والأرض يدل على أنه يستحيل أن يكون له ولد ، وبيان ذلك من وجوه: الأول: أنه سبحانه غني مطلقًا على ما في هذه الآية ، والعقل أيضًا يدل عليه ، لأنه لو كان محتاجًا لافتقر إلى صانع آخر ، وهو محال وكل من كان غنيًا فإنه لا بد أن يكون فردًا منزهًا عن الأجزاء والأبعاض ، وكل من كان كذلك امتنع أن ينفصل عنه جزء من أجزائه ، والولد عبارة عن أن ينفصل جزء من أجزاء الإنسان ، ثم يتولد عن ذلك الجزء مثله ، وإذا كان هذا محالًا ثبت أن كونه تعالى غنيًا يمنع ثبوت الولد له .

الحجة الثانية: أنه تعالى غني وكل من كان غنيًا كان قديمًا أزليًا باقيًا سرمديًا ، وكل من كان كذلك ، امتنع عليه الانقراض والانقضاء ، والولد إنما يحصل للشيء الذي ينقضي ، وينقرض ، فيكون ولده قائمًا مقامه ، فثبت أن كونه تعالى غنيًا ، يدل على أنه يمتنع أن يكون له ولد .

الحجة الثالثة: أنه تعالى غني وكل من كان غنيًا فإنه يمتنع أن يكون موصوفًا بالشهوة واللذة وإذا امتنع ذلك امتنع أن يكون له صاحبة وولد .

الحجة الرابعة: أنه تعالى غني ، وكل من كان غنيًا امتنع أن يكون له ولد ، لأن اتخاذ الولد إنما يكون في حق من يكون محتاجًا حتى يعينه ولده على المصالح الحاصلة والمتوقعة ، فمن كان غنيًا مطلقًا امتنع عليه اتخاذ الولد .

الحجة الخامسة: ولد الحيوان إنما يكون ولدًا له بشرطين: إذا كان مساويًا له في الطبيعة والحقيقة ، ويكون ابتداء وجوده وتكونه منه ، وهذا في حق الله تعالى محال ، لأنه تعالى غني مطلقًا ، وكل من كان غنيًا مطلقًا كان واجب الوجود لذاته ، فلو كان لواجب الوجود ولد ، لكان ولده مساويًا له . فيلزم أن يكون ولد واجب الوجود أيضًا واجب الوجود ، لكن كونه واجب الوجود يمنع من تولده من غيره ، وإذا لم يكن متولدًا من غيره لم يكن ولدًا ، فثبت أن كونه تعالى غنيًا من أقوى الدلائل على أنه تعالى لا ولد له ، وهذه الثلاثة مع الثلاثة الأول في غاية القوة .

الحجة السادسة: أنه تعالى غني ، وكل من كان غنيًا امتنع أن يكون له أب وأم ، وكل من تقدس عن الوالدين وجب أن يكون مقدسًا عن الأولاد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت