فهرس الكتاب

الصفحة 1655 من 8321

إعلم أنه تعالى لما نبّه على عناد القوم بقوله { فَإنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ للَّهِ } [ آل عمران: 20 ] بيّن في هذه الآية غاية عنادهم ، وهو أنهم يدعون إلى الكتاب الذي يزعمون أنهم يؤمنون به ، وهو التوراة ثم إنهم يتمردون ، ويتولون ، وذلك يدل على غاية عنادهم ، وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: ظاهر قوله { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب } يتناول كلهم ، ولا شك أن هذا مذكور في معرض الذم ، إلا أنه قد دلّ دليل آخر ، على أنه ليس كل أهل الكتاب كذلك لأنه تعالى يقول { مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءايات الله ءَانَاء اليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ } [ آل عمران: 113 ] .

المسألة الثانية: قوله تعالى: { أوتوا نصيبًا من الكتاب } المراد به غير القرآن لأنه أضاف الكتاب إلى الكفار ، وهم اليهود والنصارى ، وإذا كان كذلك وجب حمله على الكتاب الذي كانوا مقرين بأنه حق ، ومن عند الله .

المسألة الثالثة: ذكروا في سبب النزول وجوهًا أحدها: روي عن ابن عباس أن رجلًا وامرأة من اليهود زنيا ، وكانا ذوي شرف ، وكان في كتابهم الرجم ، فكرهوا رجمهما لشرفهما ، فرجعوا في أمرهما إلى النبي A ، رجاء أن يكون عنده رخصة في ترك الرجم فحكم الرسول A بالرجم فأنكروا ذلك فقال E: « بيني وبينكم التوراة فإن فيها الرجم فمن أعلمكم؟ » قالوا: عبد الله بن صوريا الفدكي فأتوا به وأحضروا التوراة ، فلما أتى على آية الرجم وضع يده عليها ، فقال ابن سلام: قد جاوز موضعها يا رسول الله فرفع كفه عنها فوجدوا آية الرجم ، فأمر النبي A بهما فرجما ، فغضبت اليهود لعنهم الله لذلك غضبًا شديدًا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية .

والرواية الثانية: أنه A دخل مدرسة اليهود ، وكان فيها جماعة منهم فدعاهم إلى الإسلام فقالوا: على أي دين أنت؟ فقال: على ملة إبراهيم ، فقالوا: إن إبراهيم كان يهوديًا فقال A: « هلموا إلى التوراة ، » فأبوا ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية .

والرواية الثالثة: أن علامات بعثة محمد A مذكورة في التوراة ، والدلائل الدالة على صحة نبوّته موجودة فيها ، فدعاهم النبي A إلى التوراة ، وإلى تلك الآيات الدالة على نبوّته فأبوا ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ، والمعنى أنهم إذا أبوا أن يجيبوا إلى التحاكم إلى كتابهم ، فلا تعجب من مخالفتهم كتابك فلذلك قال الله تعالى: { قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } [ آل عمران: 93 ] وهذه الآية على هذه الرواية دلّت على أنه وجد في التوراة دلائل صحة نبوّته ، إذ لو علموا أنه ليس في التوراة ما يدل على صحة نبوّته لسارعوا إلى بيان ما فيها ولكنهم أسروا ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت