وقوله تعالى: { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إلى حِمْلِهَا لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قربى } متعلق بما قبله ، وذلك من حيث إنه تعالى لما بين الحق بالدلائل الظاهرة والبراهين الباهرة ذكر ما يدعوهم إلى النظر فيه فقال: { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } أي لا تحمل نفس ذنب نفس فالنبي A لو كان كاذبًا في دعائه لكان مذنبًا وهو معتقد بأن ذنبه لا تحملونه أنتم فهو يتوقى ويحترز ، والله تعالى غير فقير إلى عبادتكم فتفكروا واعلموا أنكم إن ضللتم فلا يحمل أحد عنكم وزركم وليس كما يقول: أكابركم { اتبعوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خطاياكم } [ العنكبوت: 12 ] وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: قوله: { وازرة } أي نفس وازرة ولم يقل ولا تزر نفس وزر أخرى ولا جمع بين الموصوف والصفة فلم يقل ولا تزر نفس وازرة وزرة أخرى لفائدة أما الأول: فلأنه لو قال ولا تزر نفس وزر أخرى ، لما علم أن كل نفس وازرة مهمومة بهم وزرها متحيرة في أمرها ووجه آخر: وهو أن قول القائل ولا تزر نفس وزر أخرى ، قد يجتمع معها أن لا تزر وزرًا أصلًا كالمعصوم لا يزر وزر غيره ومع ذلك لا يزر وزرًا رأسًا فقوله: { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ } بين أنها تزر وزرها ولا تزر وزر الغير وأما ترك ذكر الموصوف فلظهور الصفة ولزومها للموصوف .
ثم قال تعالى: { وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ } إشارة إلى أن أحدًا لا يحمل عن أحد شيئًا مبتدئًا ولا بعد السؤال ، فإن المحتاج قد يصبر وتقضى حاجته من غير سؤاله ، فإذا انتهى الافتقار إلى حد الكمال يحوجه إلى السؤال .
المسألة الثانية: في قوله: { مُثْقَلَةٌ } زيادة بيان لما تقدم من حيث إنه قال أولًا: { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } فيظن أن أحدًا لا يحمل عن أحد لكون ذلك الواحد قادرًا على حمله ، كما أن القوي إذا أخذ بيده رمانة أو سفرجلة لا تحمل عنه ، وأما إذا كان الحمل ثقيلًا قد يرحم الحامل فيحمل عنه فقال: { مُثْقَلَةٌ } يعني ليس عدم الوزر لعدم كونه محلًا للرحمة بالثقل بل لكون النفس مثقلة ولا يحمل منها شيء .
المسألة الثالثة: زاد في ذلك بقوله: { وَلَوْ كَانَ ذَا قربى } أي المدعو لو كان ذا قربى لا يحمله وفي الأول كان يمكن أن يقال لا يحمله لعدم تعلقه به كالعدو الذي يرى عدوه تحت ثقل ، أو الأجنبي الذي يرى أجنبيًا تحت حمل لا يحمل عنه فقال: { وَلَوْ كَانَ ذَا قربى } أي يحصل جميع المعاني الداعية إلى الحمل من كون النفس وازرة قوية تحتمل وكون الأخرى مثقلة لا يقال كونها قوية قادرة ليس عليها حمل وكونه سائلة داعية فإن السؤال مظنة الرحمة ، لو كان المسؤول قريبًا فإذن لا يكون التخلف إلا لمانع وهو كون كل نفس تحت حمل ثقيل .