فهرس الكتاب

الصفحة 8119 من 8321

ثم قال تعالى: { كَلاَّ } وفيه وجوه أحدها: أنه ردع لأبي جهل ومنع له عن نهيه عن عبادة الله تعالى وأمره بعبادة اللات وثانيها: كلا لن يصل أبو جهل إلى ما يقول إنه يقتل محمدًا أو يطأ عنقه ، بل تلميذ محمد هو الذي يقتله ويطأ صدره وثالثها: قال مقاتل: كلا لا يعلم أن الله يرى وإن كان يعلم لكن إذا كان لا ينتفع بما يعلم فكأنه لا يعلم .

ثم قال تعالى: { لَّئِن لَّمْ يَنتَهِ } أي عما هو فيه: { لَنَسْفَعًا بالناصية نَاصِيَةٍ كاذبة خَاطِئَةٍ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: في قوله: { لَنَسْفَعًا } وجوه أحدها: لنأخذن بناصيته ولنسحبنه بها إلى النار ، والسفع القبض على الشيء ، وجذبه بشدة ، وهو كقوله: { فَيُؤْخَذُ بالنواصى والأقدام } [ الرحمن: 41 ] وثانيها: السفع الضرب ، أي لنلطمن وجهه وثالثها: لنسودن وجهه ، قال الخليل: تقول للشيء إذا لفحته النار لفحًا يسيرًا يغير لون البشرة قد سفعته النار ، قال: والسفع ثلاثة أحجار يوضع عليها القدر سميت بذلك لسوادها ، قال: والسفعة سواد في الخدين . وبالجملة فتسويد الوجهعلامة الإذلال والإهانة ورابعها: لنسمنه قال ابن عباس في قوله: { سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم } [ القلم: 16 ] إنه أبو جهل خامسها: لنذلنه .

المسألة الثانية: قرىء لنسفعن بالنون المشددة ، أي الفاعل لهذا الفعل هو الله والملائكة ، كما قال: { فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مولاه وَجِبْرِيلُ وصالح الْمُؤْمِنِينَ } [ التحريم: 4 ] وقرأ ابن مسعود لأسعفن ، أي يقول الله تعالى يا محمد . أنا الذي أتولى إهانته ، نظيره: { هُوَ الذى أَيَّدَكَ } [ الأنفال: 62 ] ، { هُوَ الذى أَنزَلَ السكينة } [ الفتح: 4 ] .

المسألة الثالثة: هذا السفع يحتمل أن يكون المراد منه إلى النار في الآخرة وأن يكون المراد منه في الدنيا ، وهذا أيضًا على وجوه أحدها: ما روي أن أبا جهل لما قال: إن رأيته يصلي لأطأن عنقه ، فأنزل الله هذه السورة ، وأمره جبريل عليه السلام بأن يقرأ على أبي جهل ويخر لله ساجدًا في آخرها ففعل ، فعدا إليه أبو جهل ليطأ عنقه ، فلما دنا منه نكص على عقبيه راجعًا ، فقيل له مالك؟ قال: إن بيني وبينه فحلًا فاغرًا فاه لو مشيت إليه لالتقمني ، وقيل: كان جبريل وميكائيل عليهما السلام على كتفيه في صورة الأسد والثاني: أن يكون المراد يوم بدر فيكون ذلك بشارة بأنه تعالى يمكن المسلمين من ناصيته حتى يجرونه إلى القتل إذا عاد إلى النهي ، فلما عاد لا جرم مكنهم الله تعالى من ناصيته يوم بدر ، روى أنه لما نزلت سورة الرحمن علم القرآن قال عليه السلام: لأصحابه من يقرؤها منكم على رؤساء قريش ، فتثاقلوا مخافة أذيتهم ، فقام ابن مسعود وقال: أنا يا رسول الله ، فأجلسه عليه السلام ، ثم قال: من يقرؤها عليهم فلم يقم إلا ابن مسعود ، ثم ثالثًا كذلك إلى أن أذن له ، وكان عليه السلام يبقى عليه لما كان يعلم من ضعفه وصغر جثته ، ثم إنه وصل إليهم فرآهم مجتمعين حول الكعبة ، فافتتح قراءة السورة ، فقام أبو جهل فلطمه فشق أذنه وأدماه ، فانصرف وعيناه تدمع ، فلما رآه النبي عليه السلام رق قلبه وأطرق رأسه مغمومًا ، فإذا جبريل عليه السلام يجيء ضاحكًا مستبشرًا ، فقال: يا جبريل تضحك وابن مسعود يبكي! فقال: ستعلم ، فلما ظهر المسلمون يوم بدر التمس ابن مسعود أن يكون له حظ في المجاهدين ، فأخذ يطالع القتلى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت