فهرس الكتاب

الصفحة 5076 من 8321

اعلم أن من الناس من زعم أن ابن الزبعري لما أورد ذلك السؤال على الرسول A بقي ساكتًا حتى أنزل الله تعالى هذه الآية جوابًا عن سؤاله لأن هذه الآية كالإستثناء من تلك الآية . وأما نحن فقد بينا فساد هذا القول وذكرنا أن سؤاله لم يكن واردًا ، وأنه لا حاجة في دفع سؤاله إلى نزول هذه الآية ، وإذا ثبت هذا لم يبق ههنا إلا أحد أمرين: الأول: أن يقال: إن عادة الله تعالى أنه متى شرح عقاب الكفار أردفه بشرح ثواب الأبرار ، فلهذا السبب ذكر هذه الآية عقيب تلك فهي عامة في حق كل المؤمنين . الثاني: أن هذه الآية نزلت في تلك الواقعة لتكون كالتأكيد في دفع سؤال ابن الزبعري ، ثم من قال العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وهو الحق أجراها على عمومها فتكون الملائكة والمسيح وعزير عليهم السلام داخلين فيها ، لا أن الآية مختصة بهم ، ومن قال: العبرة بخصوص السبب خصص قوله: { إِنَّ الذين } بهؤلاء فقط .

أما قوله تعالى: { سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى } فقال صاحب «الكشاف» : الحسنى الخصلة المفضلة والحسنى تأنيث الأحسن ، وهي إما السعادة وإما البشرى بالثواب ، وإما التوفيق للطاعة . والحاصل أن مثبتي العفو حملوا الحسنى على وعد العفو ومنكري العفو حملوه على وعد الثواب ، ثم إنه سبحانه وتعالى شرح من أحوال ثوابهم أمور خمسة: أحدها: قوله: { أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } فقال أهل العفو معناه أولئك عنها مخرجون ، واحتجوا عليه بوجهين: الأول: قوله: { وَإِن مّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا } [ مريم: 71 ] أثبت الورود وهو الدخول ، فدل على أن هذا الإبعاد هو الإخراج . الثاني: أن أبعاد الشيء عن الشيء لا يصح إلا إذا كانا متقاربين لأنهما لو كانا متباعدين استحال إبعاد أحدهما عن الآخر ، لأن تحصيل الحاصل محال ، واحتج القاضي عبد الجبار على فساد هذا القول الأول بأمور: أحدها: أن قوله تعالى: { إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى } يقتضي أن الوعد بثوابهم قد تقدم في الدنيا وليس هذا حال من يخرج من النار لو صح ذلك . وثانيها: أنه تعالى قال: { أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } وكيف يدخل في ذلك من وقع فيها . وثالثها: قوله تعالى: { لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا } وقوله: { لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر } يمنع من ذلك . والجواب عن الأول: لا نسلم أن [ يقال ] المراد من قوله: { إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى } هو أن الوعد بثوابهم قد تقدم ، ولم لا يجوز أن المراد من الحسنى تقدم الوعد بالعفو ، سلمنا أن المراد من الحسنى تقدم الوعد بالثواب ، لكن لم قلتم إن الوعد بالثواب لا يليق بحال من يخرج من النار فإن عندنا المحابطة باطلة ويجوز الجمع بين استحقاق الثواب والعقاب . وعن الثاني: أنا بينا أن قوله: { أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ } لا يمكن إجراؤه على ظاهره إلا في حق من كان في النار . وعن الثالث: أن قوله: { لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيَسَهَا } مخصوص بما بعد الخروج .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت