فهرس الكتاب

الصفحة 3236 من 8321

اعلم أنه تعالى بين الفائدة التي لأجلها حضر موسى عليه السلام الميقات وهي أن كلمه ربه ، وفي الآية مسائل شريفة عالية من العلوم الإلهية .

المسألة الأولى: دلت الآية على أنه تعالى كلم موسى عليه السلام والناس مختلفون في كلام الله تعالى فمنهم من قال: كلامه عبارة عن الحروف المؤلفة المنتظمة ، ومنهم من قال: كلامه صفة حقيقة مغايرة للحروف والأصوات . أما القائلون بالقول الأول فالعقلاء المحصلون ، انفقوا على أنه يجب كونه حادثًا كائنًا بعد أن لم يكن . وزعمت الحنابلة والحشوية أن الكلام المركب من الحروف والأصوات قديم ، وهذا القول أخس من أن يلتفت العاقل إليه ، وذلك أني قلت يومًا إنه تعالى إما أن يتكلم بهذه الحروف على الجمع أو على التعاقب والتوالي ، والأول: باطل لأن هذه الكلمات المسموعة المفهومة إنما تكون مفهومة إذا كانت حروفها متوالية فأما إذا كانت حروفها توجد دفعة واحدة فذاك لا يكون مفيدًا ألبتة ، والثاني: يوجب كونها حادثة ، لأن الحروف إذا كانت متوالية فعند مجيء الثاني ينقضي الأول ، فالأول حادث لأن كل ما ثبت عدمه امتنع قدمه ، والثاني حادث ، لأن كل ما كان وجود متأخرًا عن وجوده غيره فهو حادث ، فثبت أنه بتقدير أن يكون كلام الله تعالى عبارة عن مجرد الحروف والأصوات محدث .

إذا ثبت هذا فنقول للناس ههنا مذهبان: الأول: أن محل تلك الحروف والأصوات الحادثة هو ذات الله تعالى ، وهو قول الكرامية . الثاني: أن محلها جسم مباين لذات الله تعالى كالشجرة وغير ، وهو قول المعتزلة .

أما القول الثاني: وهو أن كلام الله تعالى صفة مغايرة لهذه الحروف والأصوات ، فهذا قول أكثر أهل السنة والجماعة . وتلك الصفة قديمة أزلية . والقائلون بهذا القول اختلفوا في الشيء الذي سمعه موسى عليه السلام . فقالت الأشعرية: إن موسى عليه السلام سمع تلك الصفة الحقيقية الأزلية قالوا: وكما لا يتعذر رؤية ذاته ، مع أن ذاته ليست جسمًا ولا عرضًا ، فكذلك لا يبعد سماع كلامه مع أن كلامه لا يكون حرفًا ولا صوتًا . وقال أبو منصور الماتريدي: الذي سمعه موسى عليه السلام أصوات مقطعة وحروف مؤلفة قائمة بالشجرة ، فأما الصفة الأزلية التي ليست بحرف ولا صوت فداك ما سمعه موسى عليه السلام ألبتة ، فهذا تفصيل مذاهب الناس في سماع كلام الله تعالى .

المسألة الثانية: اختلفوا في أنه تعالى كلم موسى وحده أو كلمه مع أقوام آخرين وظاهر الآية يدل على الأول . لأن قوله تعالى: { وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ } يدل على تخصيص موسى عليه السلام بهذا التشريف والتخصيص بالذكر يدًا على نفي الحكم عما عداه ، وقال القاضي: بل السبعون المختارون للميقات سمعوا أيضًا كلام الله تعالى . قال: لأن الغرض بإحضارهم أن يخبروا قوم موسى عليه السلام عما يجري هناك ، وهذا المقصود لا يتم إلا عند سماع الكلام وأيضًا فإن تكليم الله تعالى موسى عليه السلام على هذا الوجه معجز ، وقد تقدمت نبوة موسى عليه السلام لا بد من ظهور هذا المعنى لغيره .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت