فهرس الكتاب

الصفحة 918 من 8321

اعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى أن الذين أوتوا الكتاب يعلمون أن هذه القبلة حق ، بين بعد ذلك صفتهم لا تتغير في الاستمرار على المعاندة ، وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: اختلفوا في قوله: { وَلَئِنْ أَتَيْتَ الذين أُوتُواْ الكتاب } فقال الأصم: المراد علماؤهم الذين أخبر الله تعالى عنهم في الآية المتقدمة بقوله: { وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبّهِمْ } [ البقرة: 144 ] واحتج عليه بوجوه . أحدها: قوله: { وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءهُم } فوصفهم بأنهم يتبعون الهوى ، ومن اعتقد في الباطل أنه حق فإنه لا يكون متبعًا لهوى النفس ، بل يكون في ظنه أنه متبع للهدى فأما الذين يعلمون بقلوبهم ، ثم ينكرون بألسنتهم ، فهم المتبعون للهوى . وثانيها: أن ما قبل هذه الآية وهو قوله: { وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب لِيَعْلَمُواْ أَنَّهُ الحق } لا يتناول عوامهم بل هو مختص بالعلماء ، وما بعدها وهو قوله: { الذين آتيناهم الكتاب يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ } [ الأنعام: 20 ] مختص بالعلماء أيضًا إذ لو كان عامًا في الكل امتنع الكتمان لأن الجمع العظيم لا يجوز عليهم الكتمان ، وإذا كان ما قبلها وما بعدها خاصًا فكذا هذه الآية المتوسطة . وثالثها: أن الله تعالى أخبر عنهم بأنهم مصرون على قولهم ، ومستمرون على باطلهم ، وأنهم لا يرجعون عن ذلك المذهب بسبب شيء من الدلائل والآيات ، وهذا شأن المعاند اللجوج ، لا شأن المعاند المتحير . ورابعها: أنا لو حملناه على العموم لصارت الآية كذبًا لأن كثيرًا من أهل الكتاب آمن بمحمد A وتبع قبلته .

وقال آخرون: بل المراد جميع أهل الكتاب من اليهود والنصارى ، واحتجوا عليه بأن قوله: { الذين أُوتُواْ الكتاب } صيغة عموم فيتناول الكل ، ثم أجابوا عن الحجة الأولى أن صاحب الشبهة صاحب هوى في الحقيقة ، لأنه ما تمم النظر والاستدلال فإنه لو أتى بتمام النظر والاستدلال لوصل إلى الحق ، فحيث لم يصل إليه علمنا أنه ترك النظر التام بمجرد الهوى ، وأجابوا عن الحجة الثانية بأنه ليس يمتنع أن يراد في الآية الأولى بعضهم ، وفي الآية الثانية كلهم ، وأجابوا عن الحجة الثالثة أن العلماء لما كانوا مصرين على الشبهات ، والعوام كانوا مصرين على اتباع أولئك العلماء كان الإصرار حاصلًا في الكل ، وأجابوا عن الحجة الرابعة بأنه تعالى أخبر عنهم أنهم بكليتهم لا يؤمنون ، وقولنا: كل اليهود لا يؤمنون مغاير لقولنا إن أحدًا منهم لا يؤمن .

المسألة الثانية: احتج الكعبي بهذه الآية على جواز أن لا يكون في المقدور لطف لبعضهم ، قال: لأنه لو حصل في المقدور لهؤلاء لطف ، لكان في جملة الآيات ما لو أتاهم به لكانوا يؤمنون ، فكان لا يصح هذا الخبر على وجه القطع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت