فهرس الكتاب

الصفحة 1252 من 8321

في النظم وجهان الأول: أنه تعالى قال في الآية السالفة: { والله يَهْدِى مَن يَشَاء إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } : والمراد أنه يهدي من يشاء إلى الحق وطلب الجنة فبين في هذه الآية أن ذلك الطلب لا يتم ولا يكمل إلا باحتمال الشدائد في التكليف فقال: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الجنة وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم } الآية الثاني: أنه في الآية السالفة ما بين أنه هداهم لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه بين في هذه الآية أنهم بعد تلك الهداية احتملوا الشدائد في إقامة الحق وصبروا على البلوى ، فكذا أنتم يا أصحاب محمد لا تستحقون الفضيلة في الدين إلا بتحمل هذه المحن .

وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: استقصينا الكلام في لفظ { أَمْ } في تفسير قوله تعالى: { أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الموت } [ البقرة: 133 ] والذي نريده ههنا أن نقول { أَمْ } استفهام متوسط كما أن ( هل ) استفهام سابق ، فيجوز أن يقول: هل عندك رجل ، أعندك رجل؟ ابتداء ، ولا يجوز أن يقال: أم عندك رجل ، فأما إذا كان متوسطًا جاز سواء كان مسبوقًا باستفهام آخر أو لا يكون ، أما إذاكان مسبوقًا باستفهام آخر فهو كقولك: أنت رجل لا تنصف ، أفعن جهل تفعل هذا أم لك سلطان؟ وأما الذي لا يكون مسبوقًا بالاستفهام فهو كقوله: { الم * تَنزِيلُ الكتاب لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِ العالمين * أَمْ يَقُولُونَ افتراه } [ السجدة: 1 3 ] وهذا القسم يكون في تقدير القسم الأول ، والتقدير: أفيؤمنون بهذا أم يقولون أفتراه؟ فكذا تقدير هذه الآية: فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ، فصبروا على استهزاء قومهم بهم ، أفتسلكون سبيلهم ، أم تحسبون أن تدخلوا الجنة من غير سلوك سبيلهم؟ هذا ما لخصه القفال C ، والله أعلم .

المسألة الثانية: قوله تعالى: { وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم } أي ولم يأتكم مثل الذين خلوا وذكر الكوفيون من أهل النحو أن { لَّمًّا } إنما هي { لَمْ } و { مَا } زائدة وقال سيبويه: { مَا } ليست زائدة لأن { لَّمًّا } تقع في مواضع لا تقع فيها { لَمْ } يقول الرجل لصاحبه: أقدم فلان؟ فيقول: { لَّمًّا } ولا يقول: { لَمْ } مفردة ، قال المبرد: إذا قال القائل: لم يأتني زيد ، فهو نفي لقولك أتاك زيد وإذا قال: لما يأتني فمعناه أنه لم يأتني بعد وأنا أتوقعه قال النابغة:

أزف الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قد

فعلى هذا قوله: { وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم } يدل على أن إتيان ذلك متوقع منتظر .

المسألة الثالثة: قال ابن عباس: لما دخل رسول الله A المدينة ، اشتد الضرر عليهم ، لأنهم خرجوا بلا مال ، وتركوا ديارهم وأموالهم في أيدي المشركين ، وأظهرت اليهود العداوة لرسول الله A ، فأنزل الله تعالى تطييبًا لقلوبهم { أَمْ حَسِبْتُمْ } وقال قتادة والسدي: نزلت في غزوة الخندق حين أصاب المسلمين ما أصابهم من الجهد والحزن ، وكان كما قال سبحانه وتعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت