فهرس الكتاب

الصفحة 7946 من 8321

اعلم أنه تعالى لما بين حال أصحاب الأخدود في تأذي المؤمنين بالكفار ، بين أن الذين كانوا قبلهم كانوا أيضًا كذلك ، واعلم أن فرعون وثمود بدل من الجنود ، وأراد بفرعون إياه وقومه كما في قوله { من فرعون وملئهم } [ يونس: 83 ] وثمود ، كانوا في بلاد العرب ، وقصتهم عندهم مشهورة فذكر تعالى من المتأخرين فرعون ، ومن المتقدمين ثمود ، والمقصود بيان أن حال المؤمنين مع الكفار في جميع الأزمنة مستمرة على هذا النهج ، وهذا هو المراد من قوله: { بَلِ الذين كَفَرُواْ فِى تَكْذِيبٍ } ولما طيب قلب الرسول عليه السلام بحكاية أحوال الأولين في هذا الباب سلاه بعد ذلك من وجه آخر ، وهو قوله: { والله مِن وَرَائِهِمْ مُّحِيطٌ } وفيه وجوه أحدها: أن المراد وصف اقتداره عليهم وأنهم في قبضته وحوزته ، كالمحاط إذا أحيط به من ورائه فسد عليه مسلكه ، فلا يجد مهربًا يقول تعالى: فهو كذا في قبضتي وأنا قادر على إهلاكهم ومعاجلتهم بالعذاب على تكذيبهم إياك فلا تجزع من تكذيبهم إياك ، فليسوا يفوتونني إذا أردت الانتقام منهم وثانيها: أن يكون المراد من هذه الإحاطة قرب هلاكهم كقول تعالى: { وأخرى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ الله بِهَا } [ الفتح: 21 ] وقوله: { وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بالناس } [ الإسراء: 60 ] وقوله: { وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ } [ يونس: 22 ] فهذا كله عبارة عن مشارفة الهلاك ، يقول: فهؤلاء في تكذيبك قد شارفوا الهلاك وثالثها: أن يكون المراد والله محيط بأعمالهم ، أي عالم بها ، فهو مرصد بعقابهم عليها ، ثم إنه تعالى سلى رسوله بعد ذلك بوجه ثالث ، وهو قوله: { بَلْ هُوَ قُرْءانٌ مَّجِيدٌ } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: تعلق هذا بما قبله ، هو أن هذا القرآن مجيد مصون عن التغير والتبدل ، فلما حكم فيه بسعادة قوم وشقاوة قوم ، وبتأذي قوم من قوم ، امتنع تغيره وتبدله ، فوجب الرضا به ، ولا شك أن هذا من أعظم موجبات التسلية .

المسألة الثانية: قرىء: { قرآنٌ مجيد } بالإضافة ، أي قرآن رب مجيد ، وقرأ يحيى بن يعمر في ( لوح ) واللوح الهواء يعني اللوح فوق السماء السابعة الذي فيه اللوح المحفوظ ، وقرىء ( محفوظ ) بالرفع صفة للقرآن كما قلنا: { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر وَإِنَّا لَهُ لحافظون } [ الحجر: 9 ] .

المسألة الثالثة: أنه تعالى قال ههنا: { فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ } وقال في آية أخرى: { إِنَّهُ لَقُرْءانٌ كَرِيمٌ * فِي كتاب مَّكْنُونٍ } [ الواقعة: 78 77 ] فيحتمل أن يكون الكتاب المكنون واللوح المحفوظ واحدًا ثم كونه محفوظًا يحتمل أن يكون المراد كونه محفوظًا عن أن يمسه إلا المطهرون ، كما قال تعالى: { لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ المطهرون } [ الواقعة: 79 ] ويحتمل أن يكون المراد كونه محفوظًا من اطلاع الخلق عليه سوى الملائكة المقربين ويحتمل أن يكون المراد أن لا يجري عليه تغيير وتبديل .

المسألة الرابعة: قال بعض المتكلمين إن اللوح شيء يلوح للملائكة فيقرؤنه ولما كانت الأخبار والآثار واردة بذلك وجب التصديق ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت