فهرس الكتاب

الصفحة 3846 من 8321

اعلم أنه تعالى لما ذكر من قبل اختلافهم عند ما جاءهم العلم أورد على رسول الله A في هذه الآية ما يقوي قلبه في صحة القرآن والنبوة ، فقال تعالى: { فَإِن كُنتَ فِي شَكّ مّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ } وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال الواحدي الشك في وضع اللغة ، ضم بعض الشيء إلى بعض ، يقال: شك الجواهر في العقد إذا ضم بعضها إلى بعض . ويقال شككت الصيد إذا رميته فضممت يده أو رجله إلى رجله والشكائك من الهوادج ما شك بعضها ببعض والشكاك البيوت المصطفة والشكائك الأدعياء ، لأنهم يشكون أنفسهم إلى قوم ليسوا منهم ، أي يضمون ، وشك الرجل في السلاح ، إذا دخل فيه وضمه إلى نفسه وألزمه إياها ، فإذا قالوا: شك فلان في الأمور أرادوا أنه وقف نفسه بين شيئين ، فيجوز هذا ، ويجوز هذا فهو يضم إلى ما يتوهمه شيئًا آخر خلافه .

المسألة الثانية: اختلف المفسرون: في أن المخاطب بهذا الخطاب من هو؟ فقيل النبي E . وقيل غيره ، أما من قال بالأول: فاختلفوا على وجوه .

الوجه الأول: أن الخطاب مع النبي E في الظاهر ، والمراد غيره كقوله تعالى: { ياأيها النبى اتق الله وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين } [ الأحزاب: 1 ] وكقوله: { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [ الزمر: 65 ] وكقوله: { ياعيسى ابن مَرْيَمَ أَءنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ } [ المائدة: 116 ] ومن الأمثلة المشهورة: إياك أعني واسمعي يا جاره .

والذي يدل على صحة ما ذكرناه وجوه: الأول: قوله تعالى في آخر السورة { ياأيها الناس إِن كُنتُمْ فِى شَكّ مّن دِينِى } [ يونس: 104 ] فبين أن المذكور في أول الآية على سبيل الرمز ، هم المذكورون في هذه الآية على سبيل التصريح . الثاني: أن الرسول لو كان شاكًا في نبوة نفسه لكان شك غيره في نبوته أولى وهذا يوجب سقوط الشريعة بالكلية . والثالث: أن بتقدير أن يكون شاكًا في نبوة نفسه ، فكيف يزول ذلك الشك بأخبار أهل الكتاب عن نبوته مع أنهم في الأكثر كفار ، وإن حصل فيهم من كان مؤمنًا إلا أن قوله ليس بحجة لا سيما وقد تقرر أن ما في أيديهم من التوراة والإنجيل ، فالكل مصحف محرف ، فثبت أن الحق هو أن الخطاب ، وإن كان في الظاهر مع الرسول A إلا أن المراد هو الأمة ، ومثل هذا معتاد ، فإن السلطان الكبير إذا كان له أمير ، وكان تحت راية ذلك الأمير جمع ، فإذا أراد أن يأمر الرعية بأمر مخصوص ، فإنه لا يوجه خطابه عليهم ، بل يوجه ذلك الخطاب على ذلك الأمير الذي جعله أميرًا عليهم ، ليكون ذلك أقوى تأثيرًا في قلوبهم .

الوجه الثاني: أنه تعالى علم أن الرسول لم يشك في ذلك ، إلا أن المقصود أنه متى سمع هذا الكلام ، فإنه يصرح ويقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت