فهرس الكتاب

الصفحة 4028 من 8321

اعلم أنه تعالى لما حكى عنها أنها { هَمَّتْ } أتبعه بكيفية طلبها وهربه فقال: { واستبقا الباب } والمراد أنه هرب منها وحاول الخروج من الباب وعدت المرأة خلفه لتجذبه إلى نفسها ، والاستباق طلب السبق إلى الشيء ، ومعناه تبادر إلى الباب يجتهد كل واحد منهما أن يسبق صاحبه فإن سبق يوسف فتح الباب وخرج ، وإن سبقت المرأة أمسكت الباب لئلا يخرج ، وقوله: { واستبقا الباب } أي استبقا إلى الباب كقوله: { واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا } [ الأعراف: 155 ] أي من قومه .

واعلم أن يوسف عليه السلام سبقها إلى الباب وأراد الخروج والمرأة تعدو خلقه فلم تصل إلا إلى دبر القميص فقدته ، أي قطعته طولًا ، وفي ذلك الوقت حضر زوجها وهو المراد من قوله { وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لدى الباب } أي صادفا بعلها تقول المرأة لبعلها سيدي ، وإنما لم يقل سيدهما لأن يوسف عليه السلام ما كان مملوكًا لذلك الرجل في الحقيقة ، فعند ذلك خافت المرأة من التهمة فبادرت إلى أن رمت يوسف بالفعل القبيح ، وقالت: { مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءا إِلا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } والمعنى ظاهر . وفي الآية لطائف: إحداها: أن «ما» يحتمل أن تكون نافية ، أي ليس جزاؤه إلا السجن ، ويجوز أيضًا أن تكون استفهامية يعني أي شيء جزاؤه إلا أن يسجن كما تقول: من في الدار إلا زيد . وثانيها: أن حبها الشديد ليوسف حملها على رعاية دقيقتين في هذا الموضع وذلك لأنها بدأت بذكر السجن ، وأخرت ذكر العذاب ، لأن المحب لا يسعى في إيلام المحبوب ، وأيضًا أنها لم تذكر أن يوسف يجب أن يعامل بأحد هذين الأمرين ، بل ذكرت ذلك ذكرًا كليًا صونًا للمحبوب عن الذكر بالسوء والألم ، وأيضًا قالت: { إِلا أَن يُسْجَنَ } والمراد أن يسجن يومًا أو أقل على سبيل التخفيف .

فأما الحبس الدائم فإنه لا يعبر بهذه العبارة ، بل يقال: يجب أن يجعل من المسجونين ألا ترى أن فرعون هكذا قال حين تهدد موسى عليه السلام في قوله: { لَئِنِ اتخذت إلها غَيْرِى لاجْعَلَنَّكَ مِنَ المسجونين } [ الشعراء: 29 ] وثالثها: أنها لما شاهدت من يوسف عليه السلام أنه استعصم منها أنه كان في عنفوان العمر وكمال القوة ونهاية الشهوة ، عظم اعتقادها في طهارته ونزاهته فاستحيت أن تقول إن يوسف عليه السلام قصدني بالسوء ، وما وجدت من نفسها أن ترميه بهذا الكذب على سبيل التصريح بل اكتفت بهذا التعريض ، فانظر إلى تلك المرأة ما وجدت من نفسها أن ترميه بهذا الكذب وأن هؤلاء الحشوية يرمونه بعد قريب من أربعة آلاف سنة بهذا الذنب القبيح . ورابعها: أن يوسف عليه السلام أراد يضربها ويدفعها عن نفسه ، وكان ذلك بالنسبة إليها جاريًا مجرى السوء فقولها: { مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ } جاريًا مجرى التعريض فلعلها بقلبها كانت تريد إقدامه على دفعها ومنعها وفي ظاهر الأمر كانت توهم أنه قصدني بما لا ينبغي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت