فهرس الكتاب

الصفحة 6566 من 8321

اعلم أن المراد ولقد أهلكنا ما حولكم يا كفار مكة من القرى ، وهي قرى عاد وثمود باليمن والشام { وَصَرَّفْنَا الأيات } بيناها لهم { لَعَلَّهُمْ } أي لعلّ أهل القرى يرجعون ، فالمراد بالتصريف الأحوال الهائلة التي وجدت قبل الإهلاك . قال الجبائي: قوله { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } معناه لكي يرجعوا عن كفرهم ، دل بذلك على أنه تعالى أراد رجوعهم ولم يرد إصرارهم والجواب: أنه فعل ما لو فعله غيره لكان ذلك لأجل الإرادة المذكورة ، وإنما ذهبنا إلى هذا التأويل للدلائل الدالة على أنه سبحانه مريد لجميع الكائنات .

ثم قال تعالى: { فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله قُرْبَانًا ءالِهَةَ } القربان ما يتقرب به إلى الله تعالى ، أي اتخذوهم شفعاء متقربًا بهم إلى الله حيث قالوا { هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله } [ يونس: 18 ] وقالوا { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى } [ الزمر: 3 ] وفي إعراب الآية وجوه الأول: قال صاحب «الكشاف» : أحد مفعولي اتخذ الراجع إلى الذين هو محذوف والثاني: آلهة وقربانًا حال ، وقيل عليه إن الفعل المتعدي إلى مفعولين لا يتم إلا بذكرهما لفظًا ، والحال مشعر بتمام الكلام ، ولا شك أن إتيان الحال بين المفعولين على خلاف الأصل الثاني: قال بعضهم { قُرْبَانًا } مفعول ثان قدم على المفعول الأول وهو آلهة ، فقيل عليه إنه يؤدي إلى خلو الكلام عن الراجع إلى الذين والثالث: قال بعض المحققين: يضمر أحد مفعولي اتخذوا وهو الراجع إلى الذين ، ويجعل قربانًا مفعولًا ثانيًا ، وآلهة عطف بيان ، إذا عرفت الكلام في الإعراب ، فنقول المقصود أن يقال إن أولئك الذين أهلكهم الله هلا نصرهم الذين عبدوهم ، وزعموا أنهم متقربون بعبادتهم إلى الله ليشفعوا لهم { بَلْ ضَلُّواْ عَنْهُمْ } أي غابوا عن نصرتهم ، وذلك إشارة إلى أن كون آلهتهم ناصرين لهم أمر ممتنع .

ثم قال تعالى: { وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ } أي وذلك الامتناع أثر إفكهم الذي هو اتخاذهم إياها آلهة ، وثمرة شركهم وافترائهم على الله الكذب في إثبات الشركاء له ، قال صاحب «الكشاف» : وقرىء { إِفكهم } والإفك والأفك كالحذر والحذر ، وقرىء { وَذَلِكَ إِفكهم } بفتح الفاء والكاف ، أي ذلك الاتخاذ الذي هذا أثره وثمرته صرفهم عن الحق ، وقرىء { إِفكهم } على التشديد للمبالغة أفكهم جعلهم آفكين وآفكهم ، أي قولهم الإفك ، أي ذو الإفك كما تقول قول كاذب .

ثم قال: { وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } والتقدير وذلك إفكهم وافتراؤهم في إثبات الشركاء لله تعالى ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت