فهرس الكتاب

الصفحة 1386 من 8321

اعلم أنه تعالى لما أوجب المحافظة على الصلوات والقيام على أدائها بأركانها وشروطها ، بين من بعد أن هذه المحافظة على هذا الحد لا تجب إلا مع الأمن دون الخوف ، فقال: { فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا } وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: يروى { فَرِجَالًا } بضم الراء و { رِجَالًا } بالتشديد و { رَجُلًا } .

المسألة الثانية: قال الواحدي C معنى الآية: فإن خفتم عدوًا فحذف المفعول لإحاطة العلم به ، قال صاحب الكشاف: فإن كان بكم خوف من عدو أو غيره ، وهذا القول أصح لأن هذا الحكم ثابت عند حصول الخوف ، سواء كان الخوف من العدو أو من غيره ، وفيه قول ثالث وهو أن المعنى: فإن خفتم فوات الوقت إن أخرتم الصلاة إلى أن تفرغوا من حربكم فصلوا رجالًا أو ركبانًا ، وعلى هذا التقدير الآية تدل على تأكيد فرض الوقت حتى يترخص لأجل المحافظة عليه بترك القيام والركوع والسجود .

المسألة الثالثة: في الرجال قولان أحدهما: رجالًا جمع راجل مثل تجار وتاجر وصحاب وصاحب والراجل هو الكائن على رجله ماشيًا كان أو وافقًا ويقال في جمع راجل: رجل ورجالة ورجالة ورجال ورجال .

والقول الثاني: ما ذكره القفال ، وهو أنه يجوز أن يكون جمع الجمع ، لأن راجلًا يجمع على راجل ، ثم يجمع رجل على رجال ، والركبان جمع راكب ، مثل فرسان وفارس ، قال القفال: ويقال إنه إنما يقال راكب لمن كان على جمل ، فأما من كان على فرس فإنما يقال له فارس ، والله أعلم .

المسألة الرابعة: رجالًا نصب على الحال ، والعامل فيه محذوف ، والتقدير: فصلوا رجالًا أو ركبانًا .

المسألة الخامسة: صلاة الخوف قسمان أحدهما: أن تكون في حال القتال وهو المراد بهذه الآية والثاني: في غير حال القتال وهو المذكور في سورة النساء في قوله تعالى: { وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ مَّعَكَ } [ النساء: 102 ] وفي سياق الآيتين بيان اختلاف القولين .

إذا عرفت هذا فنقول: إذا التحم القتال ولم يمكن ترك القتال لأحد ، فمذهب الشافعي C أنهم يصلون ركبانًا على دوابهم ومشاة على أقدامهم إلى القبلة وإلى غير القبلة يومئون بالركوع والسجود ، ويجعلون السجود أخفض من الركوع ويحترزون عن الصيحات لأنه لا ضرورة إليها وقال أبو حنيفة: لا يصلي الماشي بل يؤخر ، واحتج الشافعي C بهذه الآية من وجهين الأول: قال ابن عمر: { فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا } يعني مستقبلي القبلة أو غير مستقبليها قال نافع: لا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن رسول الله A .

الوجه الثاني: وهو أن الخوف الذي تجوز معه الصلاة مع الترجل والمشي ومع الركوب والركض لا يمكن معه المحافظة على الاستقبال ، فصار قوله: { فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا } يدل على الترخص في ترك التوجه ، وأيضًا يدل على الترخص في ترك الركوع والسجود إلى الإيماء لأن مع الخوف الشديد من العدو لا يأمن الرجل على نفسه إن وقف في مكانه لا يتمكن من الركوع والسجود ، فصح بما ذكرنا دلالة رجالًا أو ركبانًا على جواز ترك الاستقبال ، وعلى جواز الاكتفاء بالإيماء في الركوع والسجود .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت