فهرس الكتاب

الصفحة 6272 من 8321

اعلم أنه تعالى لما أطنب في الوعيد أردفه بشرح كمال رحمته وفضله وإحسانه في حق العبيد وفيه مسائل:

المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على أنه تعالى يعفو عن الكبائر ، فقالوا: إنا بينا في هذا الكتاب أن عرف القرآن جار بتخصيص اسم العباد بالمؤمنين قال تعالى: { وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْنًا } [ الفرقان: 63 ] وقال: { عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله } [ الإنسان: 6 ] ولأن لفظ العباد مذكور في معرض التعظيم ، فوجب أن لا يقع إلا على المؤمنين ، إذا ثبت هذا ظهر أن قوله { يا عِبَادِى } مختص بالمؤمنين ، ولأن المؤمن هو الذي يعترف بكونه عبد الله ، أما المشركون فإنهم يسمون أنفسهم بعبد اللات والعزى وعبد المسيح ، فثبت أن قوله { يا عِبَادِى } لا يليق إلا بالمؤمنين ، إذا ثبت هذا فنقول إنه تعالى قال: { الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ } وهذا عام في حق جميع المسرفين .

ثم قال تعالى: { إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعًا } وهذا يقتضي كونه غافرًا لجميع الذنوب الصادرة عن المؤمنين ، وذلك هو المقصود فإن قيل هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها ، وإلا لزم القطع بكون الذنوب مغفورة قطعًا ، وأنتم لا تقولون به ، فما هو مدلول هذه الآية لا تقولون به ، والذي تقولون به لا تدل عليه هذه الآية ، فسقط الاستدلال ، وأيضًا إنه تعالى قال عقيب هذه الآية { وَأَنِيبُواْ إلى رَبّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ } إلى قوله { بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } ولو كان المراد من أول الآية أنه تعالى غفر جميع الذنوب قطعًا لما أمر عقيبه بالتوبة ، ولما خوفهم بنزول العذاب عليهم من حيث لا يشعرون ، وأيضًا قال: { أَن تَقُولَ نَفْسٌ ياحسرتى على مَا فَرَّطَتُ فِى جَنبِ الله } ولو كانت الذنوب كلها مغفورة ، فأي حاجة به إلى أن يقول: { ياحسرتى على مَا فَرَّطَتُ فِى جَنبِ الله } ؟ وأيضًا فلو كان المراد ما يدل عليه ظاهر لفظ الآية لكان ذلك إغراء بالمعاصي وإطلاقًا في الإقدام عليها ، وذلك لا يليق بحكمة الله ، وإذا ثبت هذا وجب أن يحمل على أن يقال المراد منه التنبيه على أنه لا يجوز أن يظن العاصي أنه لا مخلص له من العذاب ألبتة ، فإن من اعتقد ذلك فهو قانط من رحمة الله ، إذ لا أحد من العصاة المذنبين إلا ومتى تاب زال عقابه وصار من أهل المغفرة والرحمة ، فمعنى قوله { إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعًا } أي بالتوبة والإنابة والجواب قوله الآية تقتضي كون كل الذنوب مغفورة قطعًا وأنتم لا تقولون به ، قلنا بل نحن نقول به ونذهب إليه ، وذلك لأن صيغة يغفر صيغة المضارع ، وهي للاستقبال ، وعندنا أن الله تعالى يخرج من النار من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله ، وعلى هذا التقدير فصاحب الكبيرة مغفور له قطعًا ، إما قبل الدخول في نار جهنم ، وإما بعد الدخول فيها ، فثبت أن ما يدل عليه ظاهر الآية فهو عين مذهبنا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت