اعلم أن تعلق هذه الآية هو بقوله تعالى: { وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ ءامَنُواْ بالله واليوم الأخر وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ الله } [ النساء: 39 ] فكأنه قال: فان الله لا يظلم من هذه حاله مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ، فرغب بذلك في الايمان والطاعة .
واعلم أن هذه الآية مشتملة على الوعد بأمور ثلاثة: الأول: قوله تعالى: { إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: الذرة النملة الحمراء الصغيرة في قول أهل اللغة . وروي عن ابن عباس أنه أدخل يده في التراب ثم رفعها ثم نفخ فيها ، ثم قال: كل واحد من هذه الأشياء ذرة و { مِثْقَالَ } مفعال من الثقل يقال: هذا على مثقال هذا ، أي وزن هذا ، ومعنى { مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } أي ما يكون وزنه وزن الذرة .
واعلم أن المراد من الآية أنه تعالى لا يظلم قليلا ولا كثيرًا ، ولكن الكلام خرج على أصغر ما يتعارفه الناس يدل عليه قوله تعالى: { إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئًا } [ يونس: 44 ] .
المسألة الثانية: قالت المعتزلة: دلت هذه الآية على أنه تعالى ليس خالقا لأعمال العباد ، لأن من جملة تلك الأعمال ظلم بعضهم بعضا ، فلو كان موجد ذلك الظلم هو الله تعالى لكان الظالم هو الله ، وأيضًا لو خلق الظلم في الظالم ، ولا قدرة لذلك الظالم على تحصيل ذلك الظلم عند عدمه ، ولا على دفعه بعد وجوده ، ثم إنه تعالى يقول لمن هذا شأنه وصفته: لم ظلمت ثم يعاقبه عليه ، كان هذا محض الظلم ، والآية دالة على كونه تعالى منزها عن الظلم .
والجواب: المعارضة بالعلم والداعي على ما سبق مرارًا لا حد لها ، وقد ذكرنا أن استدلالات هؤلاء المعتزلة وإن كثرت وعظمت ، إلا أنها ترجع إلى حرف واحد ، وهو التمسك بالمدح والذم والثواب والعقاب ، والسؤال على هذا الحرف معين ، وهو المعارضة بالعلم والداعي ، فكلما أعادوا ذلك الاستدلال أعدنا عليهم هذا السؤال .
المسألة الثالثة: قالت المعتزلة: الآية تدل على أنه قادر على الظلم لأنه تمدح بتركه ، ومن تمدح بترك فعل قبيح لم يصح منه ذلك التمدح ، إلا إذا كان هو قادرا عليه ، ألا ترى أن الزمن لا يصح منه أن يتمدح بأنه لا يذهب في الليالي إلى السرقة .
والجواب أنه تعالى تمدح بأنه لا تأخذه سنة ولا نوم ، ولم يلزم أن يصح ذلك عليه ، وتمدح بأنه لا تدركه الأبصار ، ولم يدل ذلك عند المعتزلة على أنه يصح أن تدركه الأبصار .
المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: الآية دالة على أن العبد يستحق الثواب على طاعته وأنه تعالى لو لم يثبه لكان ظالما ، لأنه تعالى بين في هذه الآية أنه لو لم يثبهم على أعمالهم لكان قد ظلمهم ، وهذا لا يصح إلا إذا كانوا مستحقين للثواب على أعمالهم .