فهرس الكتاب

الصفحة 7934 من 8321

اعلم أن في البروج ثلاثة أقوال: أحدها: أنها هي البروج الإثنا عشر وهي مشهورة وإنما حسن القسم بها لما فيها من عجيب الحكمة ، وذلك لأن سير الشمس فيها ولا شك أن مصالح العالم السفلي مرتبطة بسير الشمس فيدل ذلك على أن لها صانعًا حكيمًا ، قال الجبائي: وهذه اليمين واقعة على السماء الدنيا لأن البروج فيها ، واعلم أن هذا خطأ وتحقيقه ذكرناه في قوله تعالى: { إِنَّا زَيَّنَّا السماء الدنيا بِزِينَةٍ الكواكب } [ الصافات: 6 ] ، وثانيها: أن البروج هي منازل القمر ، وإنما حسن القسم بها لما في سير القمر وحركته من الآثار العجيبة وثالثها: أن البروج هي عظام الكواكب سميت بروجًا لظهورها . وأما اليوم الموعود فهو يوم القيامة ، رواه أبو هريرة عن النبي A ، قال القفال: يحتمل أن يكون المراد واليوم الموعود لانشقاق السماء وفنائها وبطلان بروجها . وأما الشاهد والمشهود ، فقد أضطرب أقاويل المفسرين فيه ، والقفال أحسن الناس كلامًا فيه ، قال: إن الشاهد يقع على شيئين أحدهما: الشاهد الذي تثبت به الدعاوى والحقوق والثاني: الشاهد الذي هو بمعنى الحاضر ، كقوله: { عالم الغيب والشهادة } [ الأنعام: 73 ] ويقال: فلان شاهد وفلان غائب ، وحمل الآية على هذا الاحتمال الثاني أولى ، إذ لو كان المراد هو الأول لما خلا لفظ المشهود عن حرف الصلة ، فيقال: مشهود عليه ، أو مشهود له . هذا هو الظاهر ، وقد يجوز أن يكون المشهود معناه المشهود عليه فحذفت الصلة ، كما في قوله: { إِنَّ العهد كَانَ مَّسْئُولًا } [ الإسراء: 34 ] أي مسئولًا عنه ، إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: إن حملنا الشهود على الحضور احتملت الآية وجوهًا من التأويل أحدها: أن المشهود هو يوم القيامة ، والشاهد هو الجمع الذي يحضرون فيه ، وهو مروي عن ابن عباس والضحاك ، ويدل على صحة هذا الاحتمال وجوه الأول: أنه لا حضور أعظم من ذلك الحضور ، فإن الله تعالى يجمع فيه خلق الأولين والآخرين من الملائكة والأنبياء والجن والإنس ، وصرف اللفظ إلى المسمى الأكمل أولى والثاني: أنه تعالى ذكر اليوم الموعود ، وهو يوم القيامة ، ثم ذكر عقيبة: { وشاهد وَمَشْهُودٍ } وهذا يناسب أن يكون المراد بالشاهد من يحضر في ذلك اليوم من الخلائق ، وبالمشهود ما في ذلك اليوم من العجائب الثالث: أن الله تعالى وصف يوم القيامة بكونه مشهودًا في قوله: { فَوْيْلٌ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهِدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ } [ مريم: 37 ] وقال: { ذلك يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس وذلك يَوْمٌ مَّشْهُودٌ } [ هود: 103 ] وقال: { يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ } [ الإسراء: 52 ] وقال: { إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً واحدة فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ } [ يس: 53 ] وطريق تنكيرهما إما ما ذكرناه في تفسير قوله تعالى: { عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ } [ التكوير: 14 ] كأنه قيل: وما أفرطت كثرته من شاهد ومشهود ، وأما الإبهام في الوصف كأنه قيل: وشاهد ومشهود لا يكتنه وصفهما ، وإنما حسن القسم بيوم القيامة للتنبيه على القدرة إذ كان هو يوم الفصل والجزاء ويوم تفرد الله تعالى فيه بالملك والحكم ، وهذا الوجه اختيار ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن بن علي وابن المسيب والضحاك والنخعي والثوري وثانيها: أن يفسر المشهود بيوم الجمعة وهو قول ابن عمر وابن الزبير: وذلك لأنه يوم يشهده المسلمون للصلاة ولذكر الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت