فهرس الكتاب

الصفحة 1668 من 8321

في كيفية النظم وجهان الأول: أنه تعالى لما ذكر ما يجب أن يكون المؤمن عليه في تعظيم الله تعالى ، ثم ذكر بعده ما يجب أن يكون المؤمن عليه في المعاملة مع الناس ، لأن كمال الأمر ليس إلا في شيئين: التعظيم لأمر الله تعالى ، والشفقة على خلق الله قال: { لاَّ يَتَّخِذِ المؤمنون الكافرين أَوْلِيَاء مِن دُونِ المؤمنين } الثاني: لما بيّن أنه تعالى مالك الدنيا والآخرة بين أنه ينبغي أن تكون الرغبة فيما عنده ، وعند أوليائه دون أعدائه .

وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: في سبب النزول وجوه الأول: جاء قوم من اليهود إلى قوم المسلمين ليفتنوهم عن دينهم فقال رفاعة بن المنذر ، وعبد الرحمن بن جبير ، وسعيد بن خيثمة لأولئك النفر من المسلمين: اجتنبوا هؤلاء اليهود ، واحذروا أن يفتنوكم عن دينكم فنزلت هذه الآية والثاني: قال مقاتل: نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره ، وكانوا يتولون اليهود والمشركين ويخبرونهم بالأخبار ويرجون أن يكون لهم الظفر على رسول الله A فنزلت هذه الآية الثالث: أنها نزلت في عبادة بن الصامت وكان له حلفاء من اليهود ، ففي يوم الأحزاب قال يا نبي الله إن معي خمسمائة من اليهود وقد رأيت أن يخرجوا معي فنزلت هذه الآية .

فإن قيل: إنه تعالى قال: { وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَىْء } وهذه صفة الكافر .

قلنا: معنى الآية فليس من ولاية الله في شيء ، وهذا لا يوجب الكفر في تحريم موالاة الكافرين .

واعلم أنه تعالى أنزل آيات كثيرة في هذا المعنى منها قوله تعالى: { لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مّن دُونِكُمْ } [ آل عمران: 118 ] وقوله { لاَّ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الاخر يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ } [ المجادلة: 22 ] وقوله { لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَاء } وقوله { ياأيها الذين ءَامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء } [ الممتحنة: 1 ] وقال: { والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } [ التوبة: 71 ] .

واعلم أن كون المؤمن مواليًا للكافر يحتمل ثلاثة أوجه أحدها: أن يكون راضيًا بكفره ويتولاه لأجله ، وهذا ممنوع منه لأن كل من فعل ذلك كان مصوبًا له في ذلك الدين ، وتصويب الكفر كفر والرضا بالكفر كفر ، فيستحيل أن يبقى مؤمنًا مع كونه بهذه الصفة .

فإن قيل: أليس أنه تعالى قال: { وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَىْء } وهذا لا يوجب الكفر فلا يكون داخلًا تحت هذه الآية ، لأنه تعالى قال: { يا أيها الذين آمنوا } فلا بد وأن يكون خطابًا في شيء يبقى المؤمن معه مؤمنًا وثانيها: المعاشرة الجميلة في الدنيا بحسب الظاهر ، وذلك غير ممنوع منه .

والقسم الثالث: وهو كالمتوسط بين القسمين الأولين هو أن موالاة الكفار بمعنى الركون إليهم والمعونة ، والمظاهرة ، والنصرة إما بسبب القرابة ، أو بسبب المحبة مع اعتقاد أن دينه باطل فهذا لا يوجب الكفر إلا أنه منهي عنه ، لأن الموالاة بهذا المعنى قد تجره إلى استحسان طريقته والرضا بدينه ، وذلك يخرجه عن الإسلام فلا جرم هدد الله تعالى فيه فقال: { وَمَن يَفْعَلْ ذلك فَلَيْسَ مِنَ الله فِي شَىْء } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت