فهرس الكتاب

الصفحة 4508 من 8321

وفي الآية مباحث:

البحث الأول: اعلم أن وجه النظم هو أن الإنسان بعد أن أنزل الله عليه القرآن وخصه بهذه النعمة العظيمة والكرامة الكاملة ، قد يعدل عن التمسك بشرائعه والرجوع إلى بياناته ، ويقدم على ما لا فائدة فيه فقال: { وَيَدْعُ الإنسان بالشر دُعَاءهُ بالخير } .

البحث الثاني: اختلفوا في المراد من دعاء الإنسان بالشر على أقوال:

القول الأول: المراد منه: النضر بن الحرث حيث قال: { اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ } [ الأنفال: 32 ] فأجاب الله دعاءه وضربت رقبته ، فكان بعضهم يقول: { ائتنا بعذاب الله } [ العنكبوت: 29 ] . وآخرون يقولون: { متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } [ يونس: 48 ] . وإنما فعلوا ذلك للجهل واعتقاد أن محمدًا كاذب فيما يقول .

والقول الثاني: المراد أنه في وقت الضجر يلعن نفسه وأهله وولده وماله ، ولو استجيب له في الشر كما يستجاب له في الخير لهلك . وروي أن النبي A دفع إلى سودة بنت زمعة أسيرًا فأقبل يئن بالليل فقالت له: ما لك تئن؟ فشكى ألم القيد فأرخت له من كتافه ، فلما نامت أخرج يده وهرب ، فلما أصبح النبي E دعا به فأعلم بشأنه ، فقال E: « اللهم اقطع يدها » فرفعت سودة يدها تتوقع أن يقطع الله يدها ، فقال النبي A: « إني سألت الله أن يجعل دعائي على من لا يستحق عذابًا من أهلي رحمة لأني بشر أغضب كما تغضبون ، فلترد سودة يدها »

والقول الثالث: أقول: يحتمل أن يكون المراد: أن الإنسان قد يبالغ في الدعاء طلبًا لشيء يعتقد أن خيره فيه ، مع أن ذلك الشيء يكون منبع شره وضرره ، وهو يبالغ في طلبه لجهله بحال ذلك الشيء ، وإنما يقدم على مثل هذا العمل لكونه عجولًا مغترًا بظواهر الأمور غير متفحص عن حقائقها وأسرارها .

البحث الرابع: القياس: إثبات الواو في قوله: { وَيَدْعُ } إلا أنه حذف في المصحف من الكتابة ، لأنه لا يظهر في اللفظ ، أما لم تحذف في المعنى لأنها في موضع الرفع ، ونظيره: { سَنَدْعُ الزبانية } [ العلق: 18 ] { وَسَوْفَ يُؤْتِ الله المؤمنين } [ النساء: 146 ] { وَيَوْمَ يُنَادِ المناد } [ ق: 41 ] { فَمَا تُغْنِ النذر } [ القمر: 5 ] ولو كان بالواو والياء لكان صوابًا هذا كلام الفراء . وأقول: إن هذا يدل على أنه سبحانه قد عصم هذا القرآن المجيد عن التحريف والتغيير فإن إثبات الياء والواو في أكثر ألفاظ القرآن وعدم إثباتهما في هذه المواضع المعدودة يدل على أن هذا القرآن نقل كما سمع ، وأن أحدًا لم يتصرف فيه بمقدار فهمه وقوة عقله .

ثم قال تعالى: { وَكَانَ الإنسان عَجُولًا } وفي هذا الإنسان قولان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت