فهرس الكتاب

الصفحة 2865 من 8321

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: لا شبهة في أن قوله: { أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله } هم الذين تقدم ذكرهم من الأنبياء ، ولا شك في أن قوله: { فَبِهُدَاهُمُ اقتده } أمر لمحمد E ، وإنما الكلام في تعيين الشيء الذي أمر الله محمدًا أن يقتدي فيه بهم ، فمن الناس من قال: المراد أنه يقتدي بهم في الأمر الذي أجمعوا عليه ، وهو القول بالتوحيد والتنزيه عن كل ما لا يليق به في الذات والصفات والأفعال وسائر العقليات ، وقال آخرون: المراد الاقتداء بهم في جميع الأخلاق الحميدة والصفات الرفيعة الكاملة من الصبر على أذى السفهاء والعفو عنهم ، وقال آخرون: المراد الاقتداء بهم في شرائعهم إلا ما خصه الدليل ، وبهذا التقدير كانت هذه الآية دليلًا على أن شرع من قبلنا يلزمنا ، وقال آخرون: إنه تعالى إنما ذكر الأنبياء في الآية المتقدمة ليبين أنهم كانوا محترزين عن الشرك مجاهدين بإبطاله بدليل أنه ختم الآية بقوله: { وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ الأنعام: 88 ] ثم أكد إصرارهم على التوحيد وإنكارهم للشرك بقوله: { فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بكافرين } .

ثم قال في هذه الآية: { أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله } أي هداهم إلى إبطال الشرك وإثبات التوحيد { فَبِهُدَاهُمُ اقتده } أي اقتد بهم في نفي الشرك وإثبات التوحيد وتحمل سفاهات الجهال في هذا الباب . وقال آخرون: اللفظ مطلق فهو محمول على الكل إلا ما خصه الدليل المنفصل . قال القاضي: يبعد حمل هذه الآية على أمر الرسول بمتابعة الأنبياء عليهم السلام المتقدمين في شرائعهم لوجوه: أحدها: أن شرائعهم مختلفة متناقضة فلا يصح مع تناقضها أن يكون مأمورًا بالاقتداء بهم في تلك الأحكام المتناقضة . وثانيها: أن الهدى عبارة عن الدليل دون نفس العمل .

وإذا ثبت هذا فنقول: دليل ثبات شرعهم كان مخصوصًا بتلك الأوقات لا في غير تلك الأوقات . فكان الاقتداء بهم في ذلك الهدى هو أن يعلم وجوب تلك الأفعال في تلك الأوقات فقط ، وكيف يستدل بذلك على اتباعهم في شرائعهم في كل الأوقات؟ وثالثها: أن كونه E متبعًا لهم في شرائعهم يوجب أن يكون منصبه أقل من منصبهم وذلك باطل بالإجماع ، فثبت بهذه الوجوه أنه لا يمكن حمل هذه الآية على وجوب الاقتداء بهم في شرائعهم .

والجواب عن الأول: أن قوله: { فَبِهُدَاهُمُ اقتده } يتناول الكل . فأما ما ذكرتم من كون بعض الأحكام متناقضة بحسب شرائعهم . فنقول: ذلك العام يجب تخصيصه في هذه الصورة فيبقى فيما عداها حجة .

وعن الثاني: أنه E لو كان مأمورًا بأن يستدل بالدليل الذي استدل به الأنبياء المتقدمون لم يكن ذلك متابعة ، لأن المسلمين لما استدلوا بحدوث العالم على وجود الصانع لا يقال: إنهم متبعون لليهود والنصارى في هذا الباب ، وذلك لأن المستدل بالدليل يكون أصيلًا في ذلك الحكم ، ولا تعلق له بمن قبله البتة ، والاقتداء والاتباع لا يحصل إلا إذا كان فعل الأول سببًا لوجوب الفعل على الثاني ، وبهذا التقرير يسقط السؤال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت