فهرس الكتاب

الصفحة 6294 من 8321

اعلم أن في الآية مسائل:

المسألة الأولى: قرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي حم بكسر الحاء ، والباقون بفتح الحاء ، ونافع في بعض الروايات ، وابن عامر بين الفتح والكسر وهو أن لا يفتحها فتحًا شديدًا ، قال صاحب «الكشاف» : قرىء بفتح الميم وتسكينها ، ووجه الفتح التحريك لالتقاء الساكنين وإيثار أخف الحركات نحو: أين وكيف ، أو النصب بإضمار إقرأ ، ومنع الصرف إما للتأنيث والتعريف ، من حيث إنها اسم للسورة وللتعريف ، وإنها على زنة أعجمي نحو قابيل وهابيل ، وأما السكون فلأنا بينا أن الأسماء المجردة تذكر موقوفة الأواخر .

المسألة الثانية: الكلام المستقصى في هذه الفواتح مذكور في أول سورة البقرة ، والأقرب ههنا أن يقال حم اسم للسورة ، فقوله { حم } مبتدأ ، وقوله { تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله } خبر والتقدير أن هذه السورة المسماة بحم تنزيل الكتاب ، فقوله { تَنزِيلَ } مصدر ، لكن المراد منه المنزل .

وأما قوله { مِنَ الله } فاعلم أنه لما ذكر أن { حم * تَنزِيلُ الكتاب } وجب بيان أن المنزل من هو؟ فقال: { مِنَ الله } ثم بيّن أن الله تعالى موصوف بصفات الجلال وسمات العظمة ليصير ذلك حاملًا على التشمير عن ساق الجد عند الاستماع وزجره عن التهاون والتواني فيه ، فبين أن المنزل هو { الله العزيز العليم } .

واعلم أن الناس اختلفوا في أن العلم بالله ما هو؟ فقال جمع عظيم ، أنه العلم بكونه قادرًا وبعده العالم بكونه عالمًا ، إذا عرفت هذا فنقول { العزيز } له تفسيران أحدهما: الغالب فيكون معناه القادر الذي لا يساويه أحد في القدرة والثاني: الذي لا مثل له ، ولا يجوز أن يكون المراد بالعزيز هنا القادر ، لأن قوله تعالى: { الله } يدل على كونه قادرًا ، فوجب حمل { العزيز } على المعنى الثاني وهو الذي لا يوجد له مثل ، وما كان كذلك وجب أن لا يكون جسمًا ، والذي لا يكون جسمًا يكون منزّهًا عن الشهوة والنفرة ، والذي يكون كذلك يكون منزّهًا عن الحاجة . وأما { العليم } فهو مبالغة في العلم ، والمبالغة التامة إنما تتحقق عند كونه تعالى عالمًا بكل المعلومات ، فقوله { مِنَ الله العزيز العليم } يرجع معناه إلى أن هذا الكتاب تنزيل من القادر المطلق ، الغني المطلق ، العالم المطلق ، ومن كان كذلك كان عالمًا بوجوه المصالح والمفاسد ، وكان عالمًا بكونه غنيًا عن جر المصالح ودفع المفاسد ، ومن كان كذلك كان رحيمًا جوادًا ، وكانت أفعاله حكمة وصوابًا منزّهة عن القبيح والباطل ، فكأنه سبحانه إنما ذكر عقيب قوله { تَنزِيلَ } هذه الأسماء الثلاثة لكونها دالة على أن أفعاله سبحانه حكمة وصواب ، ومتى كان الأمر كذلك لزم أن يكون هذا التنزيل حقًا وصوابًا ، وقيل الفائدة في ذكر { العزيز العليم } أمران أحدهما: أنه بقدرته وعلمه أنزل القرآن على هذا الحد الذي يتضمن المصالح والإعجاز ، ولولا كونه عزيزًا عليمًا لما صح ذلك والثاني: أنه تكفل بحفظه وبعموم التكليف فيه وظهوره إلى حين انقطاع التكليف ، وذلك لا يتم إلا بكونه عزيزًا لا يغلب وبكونه عليمًا لا يخفى عليه شيء ، ثم وصف نفسه بما يجمع الوعد والوعيد والترهيب والترغيب ، فقال: { غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب شَدِيدِ العقاب ذِى الطول لاَ إله إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ المصير } فهذه ستة أنواع من الصفات:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت