فهرس الكتاب

الصفحة 7062 من 8321

إشارة إلى الأشجار ، وقوله: { والحب ذُو العصف } [ الرحمن: 12 ] إشارة إلى النبات الذي ليس بشجر والفاكهة ما تطيب به النفس ، وهي فاعلة إما على طريقة: { عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } [ الحاقة: 21 ] أي ذات رضى يرضى بها كل أحد ، وإما على تسمية الآلة بالفاعل يقال: راوية للقربة التي يروى بها العطشان ، وفيه معنى المبالغة كالراحلة لما يرحل عليه ، ثم صار اسمًا لبعض الثمار وضعت أولًا من غير اشتقاق ، والتنكير للتكثير ، أي كثيرة كما يقال لفلان مال أي عظيم ، وقد ذكرنا وجه دلالة التنكير على التعظيم وهو أن القائل: كأنه يشير إلى أنه عظيم لا يحيط به معرفة كل أحد فتنكيره إشارة إلى أنه خارج عن أن يعرف كنهه .

وقوله تعالى: { والنخل ذَاتُ الأكمام } إشارة إلى النوع الآخر من الأشجار ، لأن الأشجار المثمرة أفضل الأشجار وهي منقسمة إلى أشجار ثمار هي فواكه لا يقتات بها وإلى أشجار ثمار هي قوت وقد يتفكه بها ، كما أن الفاكهة قد يقتات بها ، فإن الجائع إذا لم يجد غير الفواكه يتقوت بها ويأكل غير متفكه بها ، وفيه مباحث:

الأول: ما الحكمة في تقديم الفاكهة على القوت؟ نقول: هو باب الابتداء بالأدنى والارتقاء إلى الأعلى ، والفاكهة في النفع دون النخل الذي منه القوت ، والتفكه وهو دون الحب الذي عليه المدار في سائر المواضع ، وبه يتغذى الأنام في جميع البلاد ، فبدأ بالفاكهة ثم ذكر النخل ثم ذكر الحب الذي هو أتم نعمة لموافقته مزاج الإنسان ، ولهذا خلقه الله في سائر البلاد وخصص النخل بالبلاد الحارة .

البحث الثاني: ما الحكمة في تنكير الفاكهة وتعريف النخل؟ وجوابه من وجوه أحدها: أن القوت محتاج إليه في كل زمان متداول في كل حين وأوان فهو أعرف والفاكهة تكون في بعض الأزمان وعند بعض الأشخاص وثانيها: هو أن الفاكهة على ما بينا ما يتفكه به وتطيب به النفس وذلك عند كل أحد بحسب كل وقت شيء ، فمن غلب عليه حرارة وعطش ، يريد التفكه بالحامض وأمثاله ، ومن الناس من يريد التفكه بالحلو وأمثاله ، فالفاكهة غير متعينة فنكرها والنخل والحب معتادان معلومان فعرفهما وثالثها: النخل وحدها نعمة عظيمة تعلقت بها منافع كثيرة ، وأما الفاكهة فنوع منها كالخوخ والإجاص مثلًا ليس فيه عظيم النعمة كما في النخل ، فقال: { فاكهة } بالتنكير ليدل على الكثرة وقد صرح بالكثرة في مواضع أخر فقال: { يَدْعُونَ فِيهَا بفاكهة كَثِيرَةٍ } [ ص: 51 ] وقال: { وفاكهة كَثِيرَةٍ * لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ } [ الواقعة: 32 ، 33 ] ، فالفاكهة ذكرها الله تعالى ووصفها بالكثرة صريحًا وذكرها منكرة ، لتحمل على أنها موصوفة بالكثرة اللائقة بالنعمة في النوع الواحد منها بخلاف النخل .

البحث الثالث: ما الحكمة في ذكر الفاكهة باسمها لا باسم أشجارها ، وذكر النخل باسمها لا باسم ثمرها؟ نقول: قد تقدم بيانه في سورة: ياس حيث قال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت