فهرس الكتاب

الصفحة 4819 من 8321

اعلم أنه ما خسر على الله أحد فإن إبراهيم عليه السلام لما اعتزلهم في دينهم وفي بلدهم واختار الهجرة إلى ربه إلى حيث أمره لم يضره ذلك دينًا ودنيا ، بل نفعه فعوضه أولادًا أنبياء ولا حالة في الدين والدنيا للبشر أرفع من أن يجعل الله له رسولًا إلى خلقه ويلزم الخلق طاعته والانقياد له مع ما يحصل فيه من عظيم المنزلة في الآخرة فصار جعله تعالى إياهم أنبياء من أعظم النعم في الدنيا والآخرة ، ثم بين تعالى أنه مع ذلك وهب لهم من رحمته أي وهب لهم من النبوة ما وهب ويدخل فيه المال والجاه والأتباع والنسل الطاهر والذرية الطيبة ثم قال: { وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا } ولسان الصدق الثناء الحسن وعبر باللسان عما يوجد باللسان ، كما عبر باليد عما يعطي باليد وهو العطية ، واستجاب الله دعوته في قوله: { واجعل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى الأخرين } [ الشعراء: 84 ] فصيره قدوة حتى ادعاه أهل الأديان كلهم وقال D: { مّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم } [ الحج: 78 ] { ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا } [ النحل: 123 ] قال بعضهم: إن الخليل اعتزل عن الخلق على ما قال: { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } [ مريم: 48 ] فلا جرم بارك الله في أولاده فقال: { وَوَهَبْنَا لَهُ إسحاق وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيًّا } . وثانيها: أنه تبرأ من أبيه في الله تعالى على ما قال: { فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إبراهيم لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ } [ التوبة: 114 ] لا جرم أن الله سماه أبًا للمسلمين فقال: { مّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم } [ الحج: 78 ] . وثالثها: تل ولده للجبين ليذبحه على ما قال: { فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ } [ الصافات: 103 ] لا جرم فداه الله تعالى على ما قال: { وفديناه بِذِبْحٍ عَظِيمٍ } [ الصافات: 107 ] . ورابعها: أسلم نفسه فقال: { أَسْلَمْتُ لِرَبّ العالمين } [ البقرة: 131 ] فجعل الله تعالى النار عليه بردًا وسلامًا فقال: { قُلْنَا يا نَّارُ كُونِى بَرْدًا وسلاما على إبراهيم } [ الأنبياء: 69 ] . وخامسها: أشفق على هذه الأمة فقال: { رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولًا مّنْهُمْ } [ البقرة: 129 ] لا جرم أشركه الله تعالى في الصلوات الخمس ، كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم . وسادسها: في حق سارة في قوله: { وإبراهيم الذى وفى } [ النجم: 37 ] لا جرم جعل موطىء قدميه مباركًا: { واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى } [ البقرة: 125 ] . وسابعها: عادى كل الخلق في الله فقال: { فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى إِلاَّ رَبَّ العالمين } [ الشعراء: 77 ] لا جرم اتخذه الله خليلًا على ما قال: { واتخذ الله إبراهيم خَلِيلًا } [ النساء: 125 ] ليعلم صحة قولنا أنه ما خسر على الله أحد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت