فهرس الكتاب

الصفحة 6551 من 8321

اعلم أنه تعالى لما قرر دلائل التوحيد والنبوّة وذكر شبهات المنكرين وأجاب عنها ، ذكر بعد ذلك طريقة المحقين والمحققين فقال: { إِنَّ الذين قَالُواْ رَبُّنَا الله ثُمَّ استقاموا } وقد ذكرنا تفسير هذه الكلمة في سورة السجدة والفرق بين الموضعين أن في سورة السجدة ذكر أن الملائكة ينزلون ويقولون { أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ } [ فصلت: 30 ] وهاهنا رفع الواسطة من البين وذكر أنه { لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } فإذا جمعنا بين الآيتين حصل من مجموعهما أن الملائكة يبلغون إليهم هذه البشارة ، وأن الحق سبحانه يسمعهم هذه البشارة أيضًا من غير واسطة .

واعلم أن هذه الآيات دالة على أن من آمن بالله وعمل صالحًا فإنهم بعد الحشر لا ينالهم خوف ولا حزن ، ولهذا قال أهل التحقيق إنهم يوم القيامة آمنون من الأهوال ، وقال بعضهم خوف العقاب زائل عنهم ، أما خوف الجلال والهيبة فلا يزول ألبتة عن العبد ، ألا ترى أن الملائكة مع علو درجاتهم وكمال عصمتهم لا يزول الخوف عنهم فقال تعالى: { يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ } [ النحل: 50 ] وهذه المسألة سبقت بالاستقصاء في آيات كثيرة منها قوله تعالى: { لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر } [ الأنبياء: 103 ] .

ثم قال تعالى: { أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة خالدين فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } قالت المعتزلة: هذه الآية تدل على مسائل أولها: قوله تعالى: { أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة } وهذا يفيد الحصر ، وهذا يدل على أن أصحاب الجنة ليسوا إلا الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا ، وهذا يدل على أن صاحب الكبيرة قبل التوبة لا يدخل الجنة وثانيها: قوله تعالى: { جَزَاءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } وهذا يدل على فساد قول من يقول: الثواب فضل لا جزاء وثالثها: أن قوله تعالى: { بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } يدل على إثبات العمل للعبد ورابعها: أن هذا يدل على أنه يجوز أن يحصل الأثر في حال المؤثر ، أو أي أثر كان موجودًا قبل ذلك بدليل أن العمل المتقدم أوجب الثواب المتأخر وخامسها: كون العبد مستحقًا على الله تعالى ، وأعظم أنواع هذا النوع الإحسان إلى الوالدين ، لا جرم أردفه بهذا المعنى ، فقال تعالى: { وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا } وقد تقدم الكلام في نظير هذه الآية في سورة العنكبوت ، وفي سورة لقمان ، وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ عاصم وحمزة والكسائي { بوالديه إحسانا } والباقون { حَسَنًا } .

واعلم أن الإحسان خلاف الإساءة والحسن خلاف القبيح ، فمن قرأ { إحسانا } فحجته قوله تعالى في سورة بني إسرائيل { وبالوالدين إحسانا } [ الإسراء: 43 ] والمعنى أمرناه بأن يوصل إليهما إحسانًا ، وحجة القراءة الثانية قوله تعالى في العنكبوت { وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا } [ العنكبوت: 8 ] ولم يختلفوا فيه ، والمراد أيضًا أنا أمرناه بأن يوصل إليهما فعلًا حسنًا ، إلا أنه سمى ذلك الفعل الحسن بالحسن على سبيل المبالغة ، كما يقال: هذا الرجل علم وكرم ، وانتصب حسنًا على المصدر ، لأن معنى { وَوَصَّيْنَا الإنسان بوالديه } أمرناه أن يحسن إليهما إِحسانًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت