فيه مسائل:
المسألة الأولى: في سبب نزول هذه الآية قولان: أحدهما: وهو قول عطاء ومجاهد والشعبي: ان هذه الآية نازلة في قصة اليهودي والمنافق ، فهذه الآية متصلة بما قبلها ، وهذا القول هو المختار عندي . والثاني: انها مستأنفة نازلة في قصة أخرى ، وهو ما روي عن عروة بن الزبير أن رجلا من الانصار خاصم الزبير في ماء يسقى به النخل ، فقال A للزبير:"اسق أرضك ثم أرسل الماء إلى أرض جارك"فقال الانصاري: لأجل أنه ابن عمتك ، فتلون وجه رسول الله A ثم قال للزبير:"اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر". واعلم أن الحكم في هذا أن من كانت أرضه أقرب إلى فم الوادي فهو أولى بأول الماء وحقه تمام السقي ، فالرسول A أذن للزبير في السقي على وجه المسامحة ، فلما أساء خصمه الأدب ولم يعرف حق ما أمر به الرسول A من المسامحة لاجله أمره النبي E باستيفاء حقه على سبيل التمام ، وحمل خصمه على مر الحق .
المسألة الثانية: «لا» في قوله: «فلا وربك» فيه قولان: الأول: معناه فوربك ، كقوله: { فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } [ الحجر: 92 ] و «لا» مزيدة لتأكيد معنى القسم ، كما زيدت في { لّئَلاَّ يَعْلَمَ } لتأكيد وجوب العلم و { لاَ يُؤْمِنُونَ } جواب القسم . والثاني: انها مفيدة ، وعلى هذا التقدير ذكر الواحدي فيه وجهين: الأول: انه يفيد نفي أمر سبق ، والتقدير: ليس الأمر كما يزعمون انهم آمنوا وهم يخالفون حكمك ، ثم استأنف القسم بقوله: { فَوَرَبّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حتى يُحَكّمُوكَ } والثاني: أنها لتوكيد النفي الذي جاء فيما بعد ، لأنه إذا ذكر في أول الكلام وفي آخره كان أوكد وأحسن .
المسألة الثالثة: يقال شجر يشجر شجورا وشجرا إذا اختلف واختلط ، وشاجره إذا نازعه وذلك لتداخل كلام بعضهم في بعض عند المنازعة ، ومنه يقال لخشبات الهودج شجار ، لتداخل بعضها في بعض . قال أبو مسلم الأصفهاني: وهو مأخوذ عندي من التفاف الشجر ، فان الشجر يتداخل بعض أغصانه في بعض ، وأما الحرج فهو الضيق . قال الواحدي: يقال للشجر الملتف الذي لا يكاد يوصل اليه: حرج ، وجمعه حراج ، وأما التسليم فهو تفعيل يقال: سلم فلان أي عوفي ولم ينشب به نائبة ، وسلم هذا الشيء لفلان ، أي خلص له من غير منازع ، فاذا ثقلته بالتشديد فقلت: سلم له فمعناه أنه سلمه له وخلصه له ، هذا هو الأصل في اللغة ، وجميع استعمالات التسليم راجع إلى الأصل فقولهم: سلم عليه ، أي دعا له بأن يسلم ، وسلم اليه الوديعة ، أي دفعها اليه بلا منازعة ، وسلم اليه أي رضي بحكمه ، وسلم إلى فلان في كذا ، أي ترك منازعته فيه ، وسلم إلى الله أمره أي فوض اليه حكم نفسه ، على معنى أنه لم ير لنفسه في أمره أثرا ولا شركة ، وعلم أن المؤثر الصانع هو الله تعالى وحده لا شريك له .