فهرس الكتاب

الصفحة 3257 من 8321

اعلم أن المقصود من هذه الآية شرح حال من عبد العجل .

واعلم أن المفعول الثاني من مفعولي الاتخاذ محذوف ، والتقدير: اتخذوا العجل إلهًا ومعبودًا ويدل على هذا المحذوف قوله تعالى: { فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُواْ هذا إلهكم وإله موسى } [ طه: 88 ] وللمفسرين في هذه الآية طريقان: الأول: أن المراد بالذين اتخذوا العجل هم الذين باشروا عبادة العجل ، وهم الذين قال فيهم: { سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّهِمْ } وعلى هذا التقدير ففيه سؤال ، وهو أن أولئك الأقوام تاب الله عليهم بسبب أنهم قتلوا أنفسهم في معرض التوبة عن ذلك الذنب ، وإذا تاب الله عليهم فكيف يمكن أن يقال في حقهم أنه { سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّهِمْ وَذِلَّةٌ فِى الحياة الدنيا } .

والجواب عنه: أن ذلك الغضب إنما حصل في الدنيا لا في الآخرة ، وتفسير ذلك الغضب هو أن الله تعالى أمرهم بقتل أنفسهم ، والمراد بقوله: { وَذِلَّةٌ فِى الحياة الدنيا } هو أنهم قد ضلوا فذلوا .

فإن قالوا: السين في قوله: { سَيَنَالُهُمْ } للاستقبال ، فكيف يحمل هذا على حكم الدنيا؟

قلنا: هذا الكلام حكاية عما أخبر الله تعالى به موسى عليه السلام حين أخبره بافتتان قومه واتخاذهم العجل ، فأخبره في ذلك الوقت أنه سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا ، فكان هذا الكلام سابقًا على وقوعهم في القتل وفي الذلة ، فصح هذا التأويل من هذا الاعتبار .

والطريق الثاني: أن المراد بالذين اتخذوا العجل أبناؤهم الذين كانوا في زمن النبي- A - ، وعلى هذا التقدير: ففي الآية وجهان:

الوجه الأول: أن العرب تعير الأبناء بقبائح أفعال الآباء كما تفعل ذلك في المناقب . يقولون للأبناء: فعلتم كذا وكذا ، وإنما فعل ذلك من مضى من آبائهم ، فكذا ههنا وصف اليهود الذين كانوا في زمن النبي A باتخاذ العجل ، وإن كان آباؤهم فعلوا ذلك ، ثم حكم عليهم بأنه { سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّهِمْ } في الآخرة { وَذِلَّةٌ فِى الحياة الدنيا } كما قال تعالى في صفتهم: { ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذلة والمسكنة } [ لبقرة: 61 ] .

والوجه الثاني: أن يكون التقدير { إِنَّ الذين اتخذوا العجل } أي الذين باشروا ذلك { سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ } أي سينال أولادهم ، ثم حذف المضاف بدلالة الكلام عليه .

أما قوله تعالى: { وكذلك نَجْزِى المفترين } فالمعنى أن كل مفتر في دين الله فجزاؤه غضب الله والذلة في الدنيا ، قال مالك بن أنس: ما من مبتدع إلا ويجد فوق رأسه ذلة ، ثم قرأ هذه الآية ، وذلك لأن المبتدع مفتر في دين الله .

أما قوله تعالى: { والذين عَمِلُواْ السيئات ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَءَامَنُواْ } فهذا يفيد أن من عمل السيئات فلا بد وأن يتوب عنها أولًا ، وذلك بأن يتركها أولًا ويرجع عنها ، ثم يؤمن بعد ذلك . وثانيًا: يؤمن بالله تعالى ، ويصدق بأنه لا إله غيره { إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } وهذه الآية تدل على أن السيئات بأسرها مشتركة في أن التوبة منها توجب الغفران ، لأن قوله: { والذين عَمِلُواْ السيئات } يتناول الكل . والتقدير: أن من أتى بجميع السيئات ثم تاب فإن الله يغفرها له ، وهذا من أعظم ما يفيد البشارة والفرح للمذنبين ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت