فهرس الكتاب

الصفحة 2340 من 8321

اعلم أنه تعالى لما ذكر حكم القتل الخطأ ذكر بعده بيان حكم القتل العمد ، وله أحكام مثل وجوب القصاص والدية ، وقد ذكر تعالى ذلك في سورة البقرة وهو قوله: { يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى } [ البقرة: 178 ] فلا جرم ههنا اقتصر على بيان ما فيه من الاثم والوعيد ، وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: استدلت الوعيدية بهذه الآية على أمرين: أحدهما: على القطع بوعيد الفساق . والثاني: على خلودهم في النار ، ووجه الاستدلال أن كلمة «من» في معرض الشرط تفيد الاستغراق ، وقد استقصينا في تقرير كلامهم في سورة البقرة في تفسير قوله: { بلى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وأحاطت بِهِ خَطِيئَتُهُ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } [ البقرة: 81 ] وبالغنا في الجواب عنها ، وزعم الواحدي أن الأصحاب سلكوا في الجواب عن هذه الآية طرقا كثيرة . قال: وأنا لا أرتضي شيئا منها لأن التي ذكروها إما تخصيص ، وإما معارضة ، وإما إضمار ، واللفظ لا يدل على شيء من ذلك . قال: والذي أعتمده وجهان: الأول: إجماع المفسرين على أن الآية نزلت في كافر قتل مؤمنا ثم ذكر تلك القصة . والثاني: أن قوله: { فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ } معناه الاستقبال أي أنه سيجزى بجهنم ، وهذا وعيد قال: وخلف الوعيد كرم ، وعندنا أنه يجوز أن يخلف الله وعيد المؤمنين ، فهذا حاصل كلامه الذي زعم أنه خير مما قاله غيره .

وأقول: أما الوجه الأول فضعيف ، وذلك لأنه ثبت في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، فاذا ثبت أن اللفظ الدال على الاستغراق حاصل ، فنزوله في حق الكفار لا يقدح في ذلك العموم ، فيسقط هذا الكلام بالكلية ، ثم نقول: كما أن عموم اللفظ يقتضي كونه عاما في كل قاتل موصوف بالصفة المذكورة ، فكذا ههنا وجه آخر يمنع من تخصيص هذه الآية بالكافر ، وبيانه من وجوه: الأول: أنه تعالى أمر المؤمنين بالمجاهدة مع الكفار ثم علمهم ما يحتاجون اليه عند اشتغالهم بالجهاد ، فابتدأ بقوله: { ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ } [ النساء: 92 ] فذكر في هذه الآية ثلاث كفارات: كفارة قتل المسلم في دار الاسلام ، وكفارة قتل المسلم عند سكونه مع أهل الحرب ، وكفارة قتل المسلم عند سكونه مع أهل الذمة وأهل العهد ، ثم ذكر عقيبه حكم قتل العمد مقرونا بالوعيد ، فلما كان بيان حكم قتل الخطأ بيانا لحكم اختص بالمسلمين كان بيان حكم القتل العمد الذي هو كالضد لقتل الخطأ ، وجب أن يكون أيضا مختصا بالمؤمنين ، فإن لم يختص بهم فلا أقل من دخولهم فيه . الثاني: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: { ياأيها الذين ءامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِى سَبِيلِ الله فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السلام لَسْتَ مُؤْمِنًا }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت