فهرس الكتاب

الصفحة 2312 من 8321

في النظم وجهان: الأول: أنه لما أمر المؤمنين بالجهاد أمرهم ايضا بأن الاعداء لو رضوا بالمسألة فكونوا أنتم أيضا راضين بها ، فقوله: { وَإِذَا حُيّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } كقوله تعالى: { وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا } [ الأنفال: 61 ] . الثاني: ان الرجل في الجهاد كان يلقاه الرجل في دار الحرب أو ما يقاربها فيسلم عليه ، فقد لا يلتفت الى سلامه عليه ويقتله ، وربما ظهر أنه كان مسلما ، فمنع الله المؤمنين عنه وأمرهم ان كل من يسلم عليهم ويكرمهم بنوع من الاكرام يقابلونه بمثل ذلك الاكرام أو أزيد ، فانه ان كان كافرا لا يضر المسلم ان قابل إكرام ذلك الكافر بنوع من الاكرام ، أما ان كان مسلما وقتله ففيه أعظم المضار والمفاسد ، وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: التحية تفعلة من حييت ، وكان في الاصل تحيية ، مثل التوصية والتسمية ، والعرب تؤثر التفعلة على التفعيل في ذوات الاربعة ، نحو قوله: { وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ } [ الواقعة: 94 ] فثبت أن التحية أصلها التحيية ثم أدغموا الياء في الياء .

المسألة الثانية: اعلم أن عادة العرب قبل الاسلام أنه إذا لقي بعضهم بعضا قالوا: حياك الله واشتقاقه من الحياة كأنه يدعو له بالحياة ، فكانت التحية عندهم عبارة عن قول بعضهم لبعض حياك الله ، فلما جاء الاسلام أبدل ذلك بالسلام ، فجعلوا التحية اسما للسلام . قال تعالى: { تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سلام } [ الأحزاب: 44 ] ومنه قول المصلى: التحيات لله ، أي السلام من الآفات لله ، والأشعار ناطقة بذلك . قال عنترة:

حييت من طلل تقادم عهده ... وقال آخر:

إنا محيوك يا سلمى فحيينا ... واعلم أن قول القائل لغيره: السلام عليك أتم وأكمل من قوله: حياك الله ، وبيانه من وجوه: الأول: أن الحي إذا كان سليما كان حيا لا محالة ، وليس إذا كان حيًا كان سليما ، فقد تكون حياته مقرونة بالآفات والبليات ، فثبت أن قوله: السلام عليك أتم وأكمل من قوله: حياك الله . الثاني: أن السلام اسم من أسماء الله تعالى ، فالابتداء بذكر الله أو بصفة من صفاته الدالة على أنه يريد ابقاء السلامة على عباده أكمل من قوله: حياك الله . الثالث: أن قول الانسان لغيره: السلام عليك فيه بشارة بالسلامة ، وقوله: حياك الله لا يفيد ذلك ، فكان هذا أكمل . ومما يدل على فضيلة السلام القرآن والأحاديث والمعقول ، أما القرآن فمن وجوه: الأول: اعلم أن الله تعالى سلم على المؤمن في اثني عشر موضعا: أولها: أنه تعالى كأنه سلم عليك في الأزل ، ألا ترى أنه قال في وصف ذاته: { الملك القدوس السلام } [ الحشر: 23 ] وثانيها: أنه سلم على نوح وجعل لك من ذلك السلام نصيبا ، فقال: { قِيلَ يانوح اهبط بسلام مّنَّا وبركات عَلَيْكَ وعلى أُمَمٍ مّمَّن مَّعَكَ } [ هود: 48 ] والمراد منه أمة محمد A ، وثالثها: سلم عليك على لسان جبريل ، فقال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت