فهرس الكتاب

الصفحة 6600 من 8321

لما بيّن الله تعالى أن المنافق يستمع ولا ينتفع ، ويستعيد ولا يستفيد ، بين أن حال المؤمن المهتدي بخلافه ، فإنه يستمع فيفهم ، ويعمل بما يعلم ، والمنافق يستعيد ، والمهتدي يفسر ويعيد ، وفيه فائدتان إحداهما: ما ذكرنا من بيان التباين بين الفريقين وثانيهما: قطع عذر المنافق وإيضاح كونه مذموم الطريقة ، فإنه لو قال ما فهمته لغموضه وكونه معمى ، يرد عليه ويقول ليس كذلك ، فإن المهتدي فهم واستنبط لوازمه وتوابعه ، فذلك لعماء القلوب ، لا لخفاء المطلوب وفيه مسائل:

المسألة الأولى: ما الفاعل للزيادة في قوله { زَادَهُمْ } ؟ نقول فيه وجوه الأول: المسموع من النبي E من كلام الله وكلام الرسول يدل عليه قوله { وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } [ محمد: 16 ] فإنه يدل على مسموع ، والمقصود بيان التباين بين الفريقين ، فكأنه قال: هم لم يفهموه ، وهؤلاء فهموه والثاني: أن الله تعالى زادهم ويدل عليه قوله تعالى: { أُولَئِكَ الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ } [ محمد: 16 ] وكأنه تعالى طبع على قلوبهم فزادهم عمى ، والمهتدين زاده هدىً والثالث: استهزاء المنافق زاد المهتدي هدى ، ووجهه أنه تعالى لما قال: { واتبعوا أَهْوَاءهُمْ } قال: { والذين اهتدوا زَادَهُمْ } اتباعهم الهدى هدى ، فإنهم استقبحوا فعلهم فاجتنبوه .

المسألة الثانية: ما معنى قوله { وآتاهم تقواهم } ؟ نقول فيه وجوه منقولة ومستنبطة ، أما المنقولة فنقول: قيل فيه إن المراد آتاهم ثواب تقواهم ، وقيل آتاهم نفس تقواهم من غير إضمار ، يعني بيّن لهم التقوى ، وقيل آتاهم توفيق العمل بما علموا . وأما المستنبط فنقول: يحتمل أن يكون المراد به بيان حال المستمعين للقرآن الفاهمين لمعانيه المفسرين له بيانًا لغاية الخلاف بين المنافق ، فإنه استمع ولم يفهمه ، وستعاد ولم يعلمه ، والمهتدي فإنه علمه وبينه لغيره ، ويدل عليه قوله تعالى: { زَادَهُمْ هُدىً } ولم يقل اهتداء ، والهدى مصدر من هدى ، قال الله تعالى: { فَبِهُدَاهُمُ اقتده } [ الأنعام: 90 ] أي خذ بما هدوا واهتد كما هدوا ، وعلى هذا فقوله تعالى: { وآتاهم تقواهم } معناه جنبهم عن القول في القرآن بغير برهان ، وحملهم على الاتقاء من التفسير بالرأي ، وعلى هذا فقوله { زَادَهُمْ هُدىً } معناه كانوا مهتدين فزادهم على الاهتداء هدى حتى ارتقوا من درجة المهتدين إلى درجة الهادين ويحتمل أن يقال قوله { زَادَهُمْ هُدىً } إشارة إلى العلم { وآتاهم تقواهم } إشارة إلى الأخذ بالاحتياط فيما لم يعلموه ، وهو مستنبط من قوله تعالى: { فَبَشّرْ عِبَادِ * الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } [ الزمر: 17 ، 18 ] وقوله { والرسخون فِي العلم يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ } [ آل عمران: 7 ] .

المعنى الثالث: يحتمل أن يكون المراد بيان أن المخلص على خطر فهو أخشى من غيره ، وتحقيقه هو أنه لما قال: { زَادَهُمْ هُدىً } أفاد أنهم ازداد علمهم ، وقال تعالى:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت