فهرس الكتاب

الصفحة 6384 من 8321

واعلم أنه تعالى لما بيّن كيفية عقوبة أولئك الكفار في الدنيا أردفه بكيفية عقوبتهم في الآخرة ، ليحصل منه تمام الاعتبار في الزجر والتحذير ، وقرأ نافع { نَحْشُرُ } بالنون { أَعْدَاء } بالنصب أضاف الحشر إلى نفسه ، والتقدير يحشر الله عزّ وجلّ أعداءه الكفار من الأولين والآخرين وحجته أنه معطوف على قوله { وَنَجَّيْنَا } [ فصلت: 18 ] فيحسن أن يكون على وفقه في اللفظ ، ويقويه قوله { وَيَوْمَ نَحْشُرُ المتقين } [ مريم: 85 ] { وحشرناهم } [ الكهف: 47 ] وأما الباقون فقرؤا على فعل ما لم يسم فاعله لأن قصة ثمود قد تمت وقوله { وَيَوْمَ يُحْشَرُ } ابتداء كلام آخر ، وأيضًا الحاشرون لهم هم المأمورون بقوله { احشروا } [ الصافات: 22 ] وهم الملائكة ، وأيضًا أن هذه القراءة موافقة لقوله { فَهُمْ يُوزَعُونَ } [ فصلت: 19 ] وأيضًا فتقدير القراءة الأولى أن الله تعالى قال: { وَيَوْمَ نَحْشُرُ أَعْدَاء الله إِلَى النار } فكان الأولى على هذا التقدير أن يقال ويوم نحشر أعداءنا إلى النار .

واعلم أنه تعالى لما ذكر أن أعداء الله يحشرون إلى النار قال: { فَهُمْ يُوزَعُونَ } أي يحبس أولهم على آخرهم ، أي يوقف سوابقهم حتى يصل إليهم تواليهم ، والمقصود بيان أنهم إذا اجتمعوا سألوا عن أعمالهم .

ثم قال: { حتى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وأبصارهم وَجُلُودُهُم } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: التقدير حتى إذا جاؤها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم ، وعلى هذا التقدير فكلمة { مَا } صلة ، وقيل فيها فائدة زائدة وهي تأكيد أن عند مجيئهم لا بد وأن تحصل هذه الشهادة كقوله { أثم إذا ما وقع آمنتم به } [ يونس: 51 ] أي لا بد لوقت وقوعه من أن يكون وقت إيمانهم به .

المسألة الثانية: روي أن العبد يقول يوم القيامة: يا رب العزة ألست قد وعدتني أن لا تظلمني ، فيقول الله تعالى فإن لك ذلك ، فيقول العبد إني لا أقبل على نفسي شاهدًا إلا من نفسي ، فيختم الله على فيه وينطق أعضاءه بالأعمال التي صدرت منه ، فذلك قوله { شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وأبصارهم وَجُلُودُهُم } واختلف الناس في كيفية الشهادة وفيه ثلاثة أقوال أحدها: أنه تعالى يخلق الفهم والقدرة والنطق فيها فتشهد كما يشهد الرجل على ما يعرفه والثاني: أنه تعالى يخلق في تلك الأعضاء الأصوات والحروف الدالة على تلك المعاني كما خلق الكلام في الشجرة والثالث: أن يظهر تلك الأعضاء أحوالًا تدل على صدور تلك الأعمال من ذلك الإنسان ، وتلك الأمارات تسمى شهادات ، كما يقال يشهد هذا العالم بتغيرات أحواله على حدوثه ، واعلم أن هذه المسألة صعبة على المعتزلة أما القول الأول: فهو صعب على مذهبهم لأن البنية عندهم شرط لحصول العقل والقدرة فاللسان مع كونه لسانًا يمتنع أن يكون محلًا للعلم والعقل ، فإن غير الله تعالى تلك البنية والصورة خرج عن كونه لسانًا وجلدًا ، وظاهر الآية يدل على إضافة تلك الشهادة إلى السمع والبصر والجلود ، فإن قلنا إن الله تعالى ما غير بنية هذه الأعضاء فحينئذ يمتنع عليها كونها ناطقة فاهمة ، وأما القول الثاني: وهو أن يقال إن الله تعالى خلق هذه الأصوات والحروف في هذه الأعضاء ، وهذا أيضًا باطل على أصول المعتزلة لأن مذهبهم أن المتكلم هو الذي فعل الكلام ، لا ما كان موصوفًا بالكلام ، فإنهم يقولون إن الله تعالى خلق الكلام في الشجرة وكان المتكلم بذلك الكلام هو الله تعالى لا الشجرة ، فههنا لو قلنا إن الله خلق الأصوات والحروف في تلك الأعضاء لزم أن يكون الشاهد هو الله تعالى لا تلك ، ولزم أن يكون المتكلم بذلك الكلام هو الله لا تلك الأعضاء ، وظاهر القرآن يدل على أن تلك الشهادة شهادة صدرت من تلك الأعضاء لا من الله تعالى لأنه تعالى قال: { شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وأبصارهم وَجُلُودُهُم } وأيضًا أنهم قالوا لتلك الأعضاء { لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا } فقالت الأعضاء { أَنطَقَنَا الله الذي أَنطَقَ كُلَّ شَيْء } وكل هذه الآيات دالة على أن المتكلم بتلك الكلمات هي تلك الأعضاء ، وأن تلك الكلمات ليست كلام الله تعالى ، فهذا توجيه الإشكال على هذين القولين ، وأما القول الثالث: وهو تفسير هذه الشهادة بظهور أمارات مخصوصة على هذه الأعضاء دالة على صدور تلك الأعمال منهم ، فهذا عدول عن الحقيقة إلى المجاز والأصل عدمه ، فهذا منتهى الكلام في هذا البحث ، أما على مذهب أصحابنا فهذا الإشكال غير لازم ، لأن عندنا البنية ليست شرطًا للحياة ولا للعلم ولا للقدرة ، فالله تعالى قادر على خلق العقل والقدرة والنطق في كل جزء من أجزاء هذه الأعضاء ، وعلى هذا التقدير فالإشكال زائل وهذه الآية يحسن التمسك بها في بيان أن البنية ليست شرطًا للحياة ولا لشيء من الصفات المشروطة بالحياة ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت