فهرس الكتاب

الصفحة 6652 من 8321

وقوله تعالى: { هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام والهدى مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } .

إشارة إلى أن الكف لم يكن لأمر فيهم لأنهم كفروا وصدوا وأحصروا ، وكل ذلك يقتضي قتالهم ، فلا يقع لأحد أن الفريقين اتفقوا ، ولم يبق بينهما خلاف واصطلحوا ، ولم يبق بينهما نزاع ، بل الاختلاف باق والنزاع مستمر ، لأنهم هم الذين كفروا وصدوكم ومنعوا فازدادوا كفرًا وعداوة ، وإنما ذلك للرجال المؤمنين والنساء المؤمنات ، وقوله { والهدى } منصوب على العطف على كم في { صَدُّوكُمْ } ويجوز الجر عطفًا على المسجد ، أي وعن الهدي . و { مَعْكُوفًا } حال و { أَن يَبْلُغَ } تقديره على أن يبلغ ، ويحتمل أن يقال { أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ } رفع ، تقديره معكوفًا بلوغه محله ، كما يقال: رأيت زيدًا شديدًا بأسه ، ومعكوفًا ، أي ممنوعًا ، ولا يحتاج إلى تقدير عن على هذا الوجه .

وقوله تعالى: { وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مؤمنات لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكمْ مّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ } .

وصف الرجال والنساء ، يعني لولا رجال ونساء يؤمنون غير معلومين ، وقوله تعالى: { أَن تَطَئُوهُمْ } بدل اشتمال ، كأنه قال: رجال غير معلومي الوطء فتصيبكم منهم معرة عيب أو إثم ، وذلك لأنكم ربما تقتلونهم فتلزمكم الكفارة وهي دليل الإثم ، أو يعيبكم الكفار بأنهم فعلوا بإخوانهم ما فعلوا بأعدائهم ، وقوله تعالى: { بِغَيْرِ عِلْمٍ } قال الزمخشري: هو متعلق بقوله { أَن تَطَئُوهُمْ } يعني تطئوهم بغير علم ، وجاز أن يكون بدلًا عن الضمير المنصوب في قوله { لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ } ولقائل أن يقول: يكون هذا تكرارًا ، لأن على قولنا هو بدل من الضمير يكون التقدير: لم تعلموا أن تطئوهم بغير علم ، فيلزم تكرار بغير علم الحصول بقوله { لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ } فالأولى أن يقال { بِغَيْرِ عِلْمٍ } هو في موضعه تقديره: لم تعلموا أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ، من يعركم ويعيب عليكم ، يعني إن وطأتموهم غير عالمين يصبكم مسبة الكفار { بِغَيْرِ عِلْمٍ } أي بجهل لا يعلمون أنكم معذورون فيه ، أو نقول تقديره: لم تعلموا أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم ، أي فتقتلوهم بغير علم ، أو تؤذوهم بغير علم ، فيكون الوطء سبب القتل ، والوطء غير معلوم لكم ، والقتل الذي هو بسبب المعرة وهو الوطء الذي يحصل بغير علم . أو نقول: المعرة قسمان أحدهما: ما يحصل من القتل العمد ممن هو غير العالم بحال المحل والثاني: ما يحصل من القتل خطأ ، وهو غير عدم العلم ، فقال: تصيبكم منهم معرة غير معلومة ، لا التي تكون عن العلم وجواب: لولا محذوف تقديره: لولا ذلك لما كف أيديكم عنهم ، هذا ما قاله الزمخشري وهو حسن ، ويحتمل أن يقال جوابه: ما يدل عليه قوله تعالى: { هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام } يعني قد استحقوا لأن لا يهملوا ، ولولا رجال مؤمنون لوقع ما استحقوه ، كما يقول القائل: هو سارق ولولا فلان لقطعت يده ، وذلك لأن لولا لا تستعمل إلا لامتناع الشيء لوجود غيره ، وامتناع الشيء لا يكون إلا إذا وجد المقتضي له فمنعه الغير فذكر الله تعالى أولًا المقتضي التام البالغ وهو الكفر والصد والمنع ، وذكر ما امتنع لأجله مقتضاه وهو وجود الرجال المؤمنين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت