فهرس الكتاب

الصفحة 5276 من 8321

النوع الخامس

وهذا من باب الآداب ، أي هلا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا ، وإنما وجب عليهم الامتناع منه لوجوه: أحدها: أن المقتضى لكونهم تاركين لهذا الفعل قائم وهو العقل والدين ، ولم يوجد ما يعارضه فوجب أن يكون ظن كونهم تاركين للمعصية أقوى من ظن كونهم فاعلين لها ، فلو أنه أخبر عن صدور المعصية لكان قد رجح المرجوح على الراجح وهو غير جائز وثانيها: وهو أنه يتضمن إيذاء الرسول وذلك سبب للعن لقوله تعالى: { إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ الله فِى الدنيا والآخرة } [ الأحزاب: 57 ] وثالثها: أنه سبب لإيذاء عائشة وإيذاء أبويها ومن يتصل بهم من غير سبب عرف إقدامهم عليه ، ولا جناية عرف صدورها عنهم ، وذلك حرام ورابعها: أنه إقدام على ما يجوز أن يكون سببًا للضرر مع الاستغناء عنه ، والعقل يقتضي التباعد عنه لأن القاذف بتقدير كونه صادقًا لا يستحق الثواب على صدقه بل يستحق العقاب لأنه أشاع الفاحشة ، وبتقدير كونه كاذبًا فإنه يستحق العقاب العظيم ، ومثل ذلك مما يقتضي صريح العقل الاحتراز عنه وخامسها: أنه تضييع للوقت بما لا فائدة فيه ، وقال E: « من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » وسادسها: أن في إظهار محاسن الناس وستر مقابحهم تخلقًا بأخلاق الله تعالى ، وقال عليه السلام: « تخلقوا بأخلاق الله » فهذه الوجوه توجب على العاقل أنه إذا سمع القذف أن يسكت عنه وأن يجتهد في الاحتراز عن الوقوع فيه ، فإن قيل كيف جاز الفصل بين لولا وبين قلتم بالظرف؟ قلنا الفائدة فيه أنه كان الواجب عليهم أن يحترزوا أول ما سمعوا بالإفك عن التكلم به .

أما قوله: { سبحانك هذا بهتان عَظِيمٌ } ففيه سؤالان:

السؤال الأول: كيف يليق سبحانك بهذا الموضع؟ الجواب: من وجوه: الأول: المراد منه التعجب من عظم الأمر ، وإنما استعمل في معنى التعجب لأنه يسبح الله عند رؤية العجيب من صانعه ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه الثاني: المراد تنزيه الله تعالى عن أن تكون زوجة نبيه فاجرة الثالث: أنه منزه عن أن يرضى بظلم هؤلاء الفرقة المفترين الرابع: أنه منزه عن أن لا يعاقب هؤلاء القذفة الظلمة .

السؤال الثاني: لم أوجب عليهم أن يقولوا هذا بهتان عظيم مع أنهم ما كانوا عالمين بكونه كذبًا قطعًا؟ والجواب: من وجهين: الأول: أنهم كانوا متمكنين من العلم بكونه بهتانًا ، لأن زوجة الرسول لا يجوز أن تكون فاجرة الثاني: أنهم لما جزموا أنهم ما كانوا ظانين له بالقلب كان إخبارهم عن ذلك الجزم كذبًا ، ونظيره قوله: { والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لكاذبون } [ المنافقون: 1 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت