أي كنا نستمع فالآن متى حاولنا الاستماع رمينا بالشهب ، وفي قوله: { شِهَابًا رَّصَدًا } وجوه أحدها: قال مقاتل: يعني رميًا من الشهب ورصدًا من الملائكة ، وعلى هذا يجب أن يكون التقدير شهابًا ورصدًا لأن الرصد غير الشهاب وهو جمع راصد وثانيها: قال الفراء: أي شهابًا قد أرصد له ليرجم به ، وعلى هذا الرصد نعت للشهاب ، وهو فعل بمعنى مفعول وثالثها: يجوز أن يكون رصدًا أي راصدًا ، وذلك لأن الشهاب لما كان معدًا له ، فكأن الشهاب راصد له ومترصد له واعلم أنا قد استقصينا في هذه المسألة في تفسير قوله تعالى: { وَلَقَدْ زَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رُجُومًا للشياطين } [ الملك: 5 ] فإن قيل: هذه الشهب كانت موجودة قبل المبعث ، ويدل عليه أمور أحدها: أن جميع الفلاسفة المتقدمين تكلموا في أسباب انقضاض هذه الشهب ، وذلك يدل على أنها كانت موجودة قبل المبعث وثانيها: قوله تعالى: { وَلَقَدْ زَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رُجُومًا للشياطين } ذكر في خلق الكواكب فائدتين ، التزيين ورجم الشياطين وثالثها: أن وصف هذا الانقضاض جاء في شعر أهل الجاهلية ، قال أوس بن حجر:
فانقض كالدريّ يتبعه ... نقع يثور تخاله طنبا
وقال عوف بن الخرع:
يرد علينا العير من دون إلفه ... أو الثور كالدرى يتبعه الدم
وروى الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس Bهما: « بينا رسول الله A جالس في نفر من الأنصار إذ رمي بنجم فاستنار فقال: ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية؟ فقالوا كنا نقول: يموت عظيم أو يولد عظيم » الحديث إلى آخره ذكرناه في تفسير قوله تعالى: { وَلَقَدْ زَيَّنَّا السماء الدنيا بمصابيح } قالوا: فثبت بهذه الوجوه أن هذه الشهب كانت موجودة قبل المبعث ، فما معنى تخصيصها بمحمد E؟ والجواب: مبني على مقامين:
المقام الأول: أن هذه الشهب ما كانت موجودة قبل المبعث وهذا قول ابن عباس Bهما ، وأبي بن كعب ، روي عن ابن عباس قال: كان الجن يصعدون إلى السماء فيستمعون الوحي فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعًا ، أما الكلمة فإنها تكون حقة ، وأما الزيادات فتكون باطلة فلما بعث النبي A منعوا مقاعدهم ، ولم تكن النجوم يرى بها قبل ذلك ، فقال لهم إبليس: ما هذا إلا لأمر حدث في الأرض ، فبعث جنوده فوجدوا رسول الله A قائمًا يصلي ، الحديث إلى آخره ، وقال أبي بن كعب: لم يرم بنجم منذ رفع عيسى حتى بعث رسول الله فرمي بها ، فرأت قريش أمرًا ما رأوه قبل ذلك فجعلوا يسيبون أنعامهم ويعتقون رقابهم ، يظنون أنه الفناء ، فبلغ ذلك بعض أكابرهم ، فقال: لم فعلتم ما أرى؟ قالوا: رمي بالنجوم فرأيناها تتهافت من السماء ، فقال: اصبروا فإن تكن نجومًا معروفة فهو وقت فناء الناس ، وإن كانت نجومًا لا تعرف فهو أمر قد حدث فنظروا ، فإذا هي لا تعرف ، فأخبروه فقال: في الأمر مهلة ، وهذا عند ظهور نبي فما مكثوا إلا يسيرًا حتى قدم أبو سفيان على أمواله وأخبر أولئك الأقوام بأنه ظهر محمد بن عبدالله ويدعي أنه نبي مرسل ، وهؤلاء زعموا أن كتب الأوائل قد توالت عليها التحريفات فلعل المتأخرين ألحقوا هذه المسألة بها طعنًا منهم في هذه المعجزة ، وكذا الأشعار المنسوبة إلى أهل الجاهلية لعلها مختلفة عليهم ومنحولة .