فهرس الكتاب

الصفحة 3423 من 8321

اعلم أنه تعالى لما أوجب على رسوله أن يشرد من صدر منه نقض العهد ، وأن ينبذ العهد إلى من خاف منه النقض ، أمره في هذه الآية بالإعداد لهؤلاء الكفار . قيل: إنه لما اتفق أصحاب النبي A في قصة بدر أن قصدوا الكفار بلا آلة ولا عدة أمرهم الله أن لا يعودوا لمثله وأن يعدوا للكفار ما يمكنهم من آلة وعدة وقوة ، والمراد بالقوة ههنا: ما يكون سببًا لحصول القوة وذكروا فيه وجوهًا: الأول: المراد من القوة أنواع الأسلحة . الثاني: روي أنه A قرأ هذه الآية على المنبر وقال: «ألا إن القوة الرمي» قالها ثلاثًا . الثالث: قال بعضهم: القوة هي الحصون . الرابع: قال أصحاب المعاني الأولى أن يقال: هذا عام في كل ما يتقوى به على حرب العدو ، وكل ما هو آلة للغزو والجهاد فهو من جملة القوة . وقوله E: «القوة هي الرمي» لا ينفي كون غير الرمي معتبرًا ، كما أن قوله E: «الحج عرفة» و «الندم توبة» لا ينفي اعتبار غيره ، بل يدل على أن هذا المذكور جزء شريف من المقصود فكذا ههنا ، وهذه الآية تدل على أن الاستعداد للجهاد بالنبل والسلاح وتعليم الفروسية والرمي فريضة ، إلا أنه من فروض الكفايات . وقوله: ومن رباط الخيل ) الرباط المرابطة أو جمع ربيط ، كفصال وفصيل ، ولا شك أن ربط الخيل من أقوى آلات الجهاد . روي أن رجلًا قال لابن سيرين: إن فلانًا أوصى بثلث ماله للحصون . فقال ابن سيرين: يشتري به الخيل فتربط في سبيل الله ويغزى عليها ، فقال الرجل إنما أوصى للحصون ، فقال هي الخيل ألم تسمع قول الشاعر:

ولقد علمت على تجنبي الردى ... إن الحصون الخيل لا مدر القرى

قال عكرمة: ومن رباط الخيل الأناث وهو قول الفراء ، ووجه هذا القول أن العرب تسمي الخيل إذا ربطت في الأفنية وعلفت ربطًا واحدها ربيط ، ويجمع ربط على رباط وهو جمع الجمع ، / فمعنى الرباط ههنا ، الخيل المربوط في سبيل الله ، وفسر بالإناث لأنها أولى ما يربط لتناسلها ونمائها بأولادها ، فارتباطها أولى من ارتباط الفحول ، هذا ما ذكره الواحدي .

ولقائل أن يقول: بل حمل هذا اللفظ على الفحول أولى ، لأن المقصود من رباط الخيل المحاربة عليها ، ولا شك أن الفحول أقوى على الكر والفر والعدو ، فكانت المحاربة عليها أسهل ، فوجب تخصيص هذا اللفظ بها ، ولما وقع التعارض بين هذين الوجهين وجب حمل اللفظ على مفهومه الأصلي ، وهو كونه خيلًا مربوطًا ، سواء كان من الفحول أو من الإناث ، ثم إنه تعالى ذكر ما لأجله أمر بإعداد هذه الأشياء . فقال: { ترهبون به عدو الله وعدوكم } وذلك أن الكفار إذا علموا كون المسلمين متأهبين للجهاد ومستعدين له مستكملين لجميع الأسلحة والآلات خافوهم ، وذلك الخوف يفيد أمورًا كثيرة: أولها: أنهم لا يقصدون دخول دار الإسلام . وثانيها: أنه إذا اشتد خوفهم فربما التزموا من عند أنفسهم جزية . وثالثها: أنه ربما صار ذلك داعيًا لهم إلى الإيمان . ورابعها: أنهم لا يعينون سائر الكفار . وخامسها: أن يصير ذلك سببًا لمزيد الزينة في دار الإسلام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت