فهرس الكتاب

الصفحة 6465 من 8321

اعلم أنه تعالى لما قال: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم } [ الزخرف: 9 ] بين أنهم مع إقرارهم بذلك ، جعلوا له من عباده جزءًا والمقصود منه التنبيه على قلة عقولهم وسخافة عقولهم . وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: قرأ عاصم في رواية أبي بكر: { جُزْء } بضم الزاي والهمزة في كل القرآن وهما لغتان ، وأما حمزة فإذا وقف عليه قال جزا بفتح الزاي بلا همزة .

المسألة الثانية: في المراد من قوله { وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا } قولان: الأول: وهو المشهور أن المراد أنهم أثبتوا له ولدًا ، وتقرير الكلام أن ولد الرجل جزء منه ، قال عليه السلام:"فاطمة بضعة مني"ولأن المعقول من الوالد أن ينفصل عنه جزء من أجزائه ، ثم يتربى ذلك الجزء ويتولد منه شخص مثل ذلك الأصل ، وإذا كان كذلك فولد الرجل جزء منه وبعض منه ، فقوله { وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءا } معنى جعلوا حكموا وأثبتوا وقالوا به ، والمعنى أنهم أثبتوا له جزءًا ، وذلك الجزء هو عبد من عباده .

واعلم أنه لو قال وجعلوا لعباده منه جزءًا ، أفاد ذلك أنهم أثبتوا أنه حصل جزء من أجزائه في بعض عباده وذلك هو الولد ، فكذا قوله { وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا } معناه وأثبتوا له جزءًا ، وذلك الجزء هو عبد من عباده ، والحاصل أنهم أثبتوا لله ولدًا ، وذكروا في تقرير هذا القول وجوهًا أُخر ، فقالوا الجزء هو الأنثى في لغة العرب ، واحتجوا في إثبات هذه اللغة ببيتين فالأول قوله:

إن أجزأت حرة يومًا فلا عجب ... قد تجزىء الحرة المذكاة أحيانًا

وقوله:

زوجتها من بنات الأوس مجزئة ... للعوسج اللدن في أبياتها غزل

وزعم الزجاج والأزهري وصاحب «الكشاف» : أن هذه اللغة فاسدة ، وأن هذه الأبيات مصنوعة والقول الثاني: في تفسير الآية أن المراد من قوله { وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا } إثبات الشركاء لله ، وذلك لأنهم لما أثبتوا الشركاء لله تعالى فقد زعموا أن كل العباد ليس لله ، بل بعضها لله ، وبعضها لغير الله ، فهم ما جعلوا لله من عباده كلهم ، بل جعلوا له منهم بعضًا وجزءًا منهم ، قالوا والذي يدل على أن هذا القول أولى من الأول ، أنا إذا حملنا هذه الآية على إنكار الشريك لله ، وحملنا الآية التي بعدها إلى إنكار الولد لله ، كانت الآية جامعة للرد على جميع المبطلين .

ثم قال تعالى: { أَمِ اتخذ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وأصفاكم بالبنين } .

واعلم أنه تعالى رتب هذه المناظرة على أحسن الوجوه ، وذلك لأنه تعالى بيّن أن إثبات الولد لله محال ، وبتقدير أن يثبت الولد فجعله بنتًا أيضًا محال ، أما بيان أن إثبات الولد لله محال ، فلأن الولد لا بد وأن يكون جزءًا من الوالد ، وما كان له جزء كان مركبًا ، وكل مركب ممكن ، وأيضًا ما كان كذلك فإنه يقبل الاتصال والانفصال والاجتماع والافتراق ، وما كان كذلك فهو عبد محدث ، فلا يكون إلهًا قديمًا أزليًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت