وفيه مسألتان:
المسألة الأولى: في قوله: { لا تسمع } ثلاث قراآت أحدها: قرأ عاصم وحمزة والكسائي بالتاء على الخطاب لاغية بالنصب والمخاطب بهذا الخطاب ، يحتمل أن يكون هو النبي A وأن يكون لا تسمع يا مخاطب فيها لاغية ، وهذا يفيد السماع في الخطاب كقوله: { وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ } [ الإنسان: 20 ] وقوله: { إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ } [ الإنسان: 19 ] ويحتمل أن تكون هذه التاء عائدة إلى { وجوه } [ الغاشية: 8 ] ، والمعنى لا تسمع الوجوه فيها لاغية وثانيها: قرأ نافع بالتاء المنقوطة من فوق مرفوعة على التأنيث لاغية بالرفع وثالثها: قرأ ابن كثير وأبو عمرو لا يسمع بالياء المنقوطة من تحت مضمومة على التذكير لاغية بالرفع ، وذلك جائز لوجهين الأول: أن هذا الضرب من المؤنث إذا تقدم فعله . وكان بين الفعل والاسم حائل حسن التذكير ، قال الشاعر:
إن امرءًا غره منكن واحدة ... بعدي وبعدك في الدنيا لمغرور
والثاني: أن المراد باللاغية اللغو فالتأنيث على اللفظ والتذكير على المعنى .
المسألة الثانية: لأهل اللغة في قوله: { لاغية } ثلاثة أوجه أحدها: أنه يقال: لغا يلغو لغوًا ولاغية ، فاللاغية واللغو شيء واحد ، ويتأكد هذا الوجه بقوله سبحانه: { لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا } [ مريم: 62 ] ، وثانيها: أن يكون صفة والمعنى لا يسمع كلمة لاغية وثالثها: قال الأخفش: لاغية أي كلمة ذات لغو كما تقول: فارس ودارس لصاحب الفرس والدرع ، وأما أهل التفسير فلهم وجوه أحدها: أن الجنة منزهة عن اللغو لأنها منزل جيران الله تعالى وإنما نالوها بالجد والحق لا باللغو والباطل ، وهكذا كل مجلس في الدنيا شريف مكرم فإنه يكون مبرأ عن اللغو وكل ما كان أبلغ في هذا كان أكثر جلالة ، هذا ما قرره القفال والثاني: قال الزجاج لا يتكلم أهل الجنة إلا بالحكمة والثناء على الله تعالى على ما رزقهم من النعيم الدائم والثالث: عن ابن عباس يريد لا تسمع فيها كذبًا ولا بهتانًا ولا كفرًا بالله ولا شتمًا والرابع: قال مقاتل: لا يسمع بعضهم من بعض الحلف عند شراب كما يحلف أهل الدنيا إذا شربوا الخمر وأحسن الوجوه ما قرره القفال الخامس: قال القاضي: اللغو ما لا فائدة فيه ، فالله تعالى نفى عنهم ذلك ويندرج فيه ما يؤذي سامعه على طريق الأولى . الصفة الثالثة للجنة: قوله تعالى: