فهرس الكتاب

الصفحة 6712 من 8321

وقوله تعالى: { بَلْ كَذَّبُواْ بالحق } .

رد عليهم ، فإن قيل ما المضروب عنه ، نقول فيه وجهان أحدهما: تقديره لم يكذب المنذر ، بل كذبوا هم ، وتقديره هو أنه تعالى لما قال عنهم إنهم قالوا { هذا شَىْء عَجِيبٌ } [ ق: 2 ] كان في معنى قولهم: إن المنذر كاذب ، فقال تعالى: لم يكذب المنذر ، بل هم كذبوا ، فإن قيل: ما الحق؟ نقول يحتمل وجوهًا الأول: البرهان القائم على صدق رسول الله A الثاني: الفرقان المنزل وهو قريب من الأول ، لأنه برهان الثالث: النبوة الثابتة بالمعجزة القاهرة فإنها حق الرابع: الحشر الذي لا بد من وقوعه فهو حق ، فإن قيل بين لنا معنى الباء في قوله تعالى: { بالحق } وأية حاجة إليها ، يعني أن التكذيب متعد بنفسه ، فهل هي للتعدية إلى مفعول ثان أو هي زائدة ، كما في قوله تعالى: { فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيّكُمُ المفتون } [ القلم: 5 ، 6 ] نقول فيه بحث وتحقيق ، وهي في هذا الموضع لإظهار معنى التعدية ، وذلك لأن التكذيب هو النسبة إلى الكذب ، لكن النسبة تارة توجد في القائل ، وأخرى في القول ، تقول: كذبني فلان وكنت صادقًا ، وتقول: كذب فلان قول فلان ، ويقال كذبه ، أي جعله كاذبًا ، وتقول: قلت لفلان زيد يجيء غدًا ، فتأخر عمدًا حتى كذبني وكذب قولي ، والتكذيب في القائل يستعمل بالباء وبدونها ، قال تعالى: { كَذَّبَتْ ثَمُودُ المرسلين } [ الشعراء: 141 ] وقال تعالى: { كَذَّبَتْ ثَمُودُ بالنذر } [ القمر: 23 ] وفي القول كذلك غير أن الاستعمال في القائل بدون الباء أكثر ، قال تعالى: { فَكَذَّبُوهُ } [ الأعراف: 64 ] وقال: { وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ } [ فاطر: 4 ] إلى غير ذلك ، وفي القول الاستعمال بالباء أكثر ، قال الله تعالى: { كَذَّبُواْ بئاياتنا كُلَّهَا } [ القمر: 42 ] وقال: { بَلْ كَذَّبُواْ بالحق } وقال تعالى: { وَكَذَّبَ بالصدق إِذْ جَاءهُ } [ الزمر: 32 ] والتحقيق فيه هو أن المفعول المطلق هو المصدر ، لأنه هو الذي يصدر من الفاعل ، فإن من ضرب لم يصدر منه غير الضرب ، غير أن له محلًا يقع فيه فيسمى مضروبًا ، ثم إذا كان ظاهرًا لكونه محلًا للفعل يستغني بظهوره عن الحرف فيعدى من غير حرف ، يقال ضربت عمرًا ، وشربت خمرًا ، للعلم بأن الضرب لا بد له من محل يقوم به ، والشرب لا يستغني عن مشروب يتحقق فيه ، وإذا قلت مررت يحتاج إلى الحرف ، ليظهر معنى التعدية لعدم ظهوره في نفسه ، لأن من قال: مر السحاب يفهم منه مرور ولا يفهم منه من مر به ، ثم إن الفعل قد يكون في الظهور دون الضرب والشرب ، وفي الخفاء دون المرور ، فيجوز الإتيان فيه بدون الحرف لظهوره الذي فوق ظهور المرور ، ومع الحرف لكون الظهور دون ظهور الضرب ، ولهذا لا يجوز أن تقول: ضربت بعمرو ، إلا إذا جعلته آلة الضرب . أما إذا ضربته بسوط أو غيره ، فلا يجوز فيه زيادة الباء ، ولا يجوز مروا به إلا مع الاشتراك ، وتقول مسحته ومسحت به وشكرته وشكرت له ، لأن المسح إمرار اليد بالشيء فصار كالمرور ، والشكر فعل جميل غير أنه يقع بمحسن ، فالأصل في الشكر ، الفعل الجميل ، وكونه واقعًا بغيره كالبيع بخلاف الضرب ، فإنه إمساس جسم بجسم بعنف ، فالمضروب داخل في مفهوم الضرب أولًا ، والمشكور داخل في مفهوم الشكر ثانيًا ، إذا عرفت هذا فالتكذيب في القائل ظاهر لأنه هو الذي يصدق أو يكذب ، وفي القول غير ظاهر فكان الاستعمال فيه بالباء أكثر والباء فيه لظهور معنى التعدية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت