فهرس الكتاب

الصفحة 3612 من 8321

اعلم أنه تعالى أمر رسوله بأن يسعى في تخذيلهم وإهانتهم وإذلالهم ، فالذي سبق ذكره في الآية الأولى وهو منعهم من الخروج معه إلى الغزوات سبب قوي من أسباب إذلالهم وإهانتهم ، وهذا الذي ذكره في هذه الآية ، وهو منع الرسول من أن يصلي على من مات منهم ، سبب آخر قوي في إذلالهم وتخذيلهم . عن ابن عباس Bهما أنه لما اشتكى عبد الله بن أبي بن سلول عاده رسول الله A ، فطلب منه أن يصلي عليه إذا مات ويقوم على قبره ، ثم إنه أرسل إلى الرسول E يطلب منه قميصه ليكفن فيه ، فأرسل إليه القميص الفوقاني فرده وطلب الذي يلي جلده ليكفن فيه ، فقال عمر Bه: لم تعطي قميصك الرجس النجس؟ فقال E: « إن قميصي لا يغني عنه من الله شيئًا فلعل الله أن يدخل به ألفًا في الإسلام » وكان المنافقون لا يفارقون عبد الله ، فلما رأوه يطلب هذا القميص ويرجو أن ينفعه ، أسلم منهم يومئذ ألف . فلما مات جاء ابنه يعرفه فقال E لابنه: « صل عليه وادفنه » فقال: إن لم تصل عليه يا رسول الله لم يصل عليه مسلم ، فقام E ليصلي عليه ، فقام عمر فحال بين رسول الله وبين القبلة لئلا يصلي عليه ، فنزلت هذه الآية . وأخذ جبريل عليه السلام بثوبه وقال: { وَلاَ تُصَلّ على أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا } واعلم أن هذا يدل على منقبة عظيمة من مناقب عمر Bه ، وذلك لأن الوحي نزل على وفق قوله في آيات كثيرة منها آية أخذ الفداء عن أسارى بدر وقد سبق شرحه . وثانيها: آية تحريم الخمر . وثالثها: آية تحويل القبلة . ورابعها: آية أمر النسوان بالحجاب . وخامسها: هذه الآية . فصار نزول الوحي على مطابقة قول عمر Bه منصبًا عاليًا ودرجة رفيعة له في الدين . فلهذا قال E في حقه: « لو لم أبعث لبعثت يا عمر نبيًا »

فإن قيل: كيف يجوز أن يقال إن الرسول رغب في أن يصلي عليه بعد أن علم كونه كافرًا وقد مات على كفره ، وأن صلاة الرسول عليه تجري مجرى الإجلال والتعظيم له ، وأيضًا إذا صلى عليه فقد دعا له ، وذلك محظور ، لأنه تعالى أعلمه أنه لا يغفر للكفار البتة ، وأيضًا دفع القميص إليه يوجب إعزازه؟

والجواب: لعل السبب فيه أنه لما طلب من الرسول أن يرسل إليه قميصه الذي مس جلده ليدفن فيه ، غلب على ظن الرسول E أنه انتقل إلى الإيمان ، لأن ذلك الوقت وقت يتوب فيه الفاجر ويؤمن فيه الكافر ، فلما رأى منه إظهار الإسلام وشاهد منه هذه الأمارة التي دلت على دخوله في الإسلام ، غلب على ظنه أنه صار مسلمًا ، فبنى على هذا الظن ورغب في أن يصلي عليه ، فلما نزل جبريل عليه السلام وأخبره بأنه مات على كفره ونفاقه ، امتنع من الصلاة عليه . وأما دفع القميص إليه فذكروا فيه وجوهًا: الأول: أن العباس عم رسول الله A لما أخذ أسيرًا ببدر ، لم يجدوا له قميصًا ، وكان رجلًا طويلًا ، فكساه عبد الله قميصه . الثاني: أن المشركين قالوا له يوم الحديبية ، إنا لا ننقاد لمحمد ولكنا ننقاد لك ، فقال لا ، إن لي في رسول الله أسوة حسنة ، فشكر رسول الله له ذلك . والثالث: أن الله تعالى أمره أن لا يرد سائلًا بقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت