فهرس الكتاب

الصفحة 5127 من 8321

إعلم أنه تعالى لما بين فيما تقدم إخراج الكفار المؤمنين من ديارهم بغير حق ، وأذن في مقاتلتهم وضمن للرسول والمؤمنين النصرة وبين أن لله عاقبة الأمور ، أردفه بما يجري مجرى التسلية للرسول A في الصبر على ما هم عليه من أذيته وأذية المؤمنين بالتكذيب وغيره ، فقال: وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم سائر الأمم أنبياءهم ، وذكر الله سبعة منهم . فإن قيل: ولم قال: { وَكُذّبَ موسى } ولم يقل قوم موسى؟ فالجواب: من وجهين: الأول: أن موسى عليه السلام ما كذبه قومه بنو إسرائيل وإنما كذبه غير قومه وهم القبط الثاني: كأنه قيل بعد ما ذكر تكذيب كل قوم رسوله ، وكذب موسى أيضًا مع وضوح آياته وعظم معجزاته فما ظنك بغيره .

أما قوله تعالى: { فَأمْلَيْتُ للكافرين } يعني أمهلتهم إلى الوقت المعلوم عندي ثم أخذتهم بالعقوبة { فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } استفهام تقرير ( ي ) ، أي فكيف كان إنكاري عليهم بالعذاب ، أليس كان واقعًا قطعًا؟ ألم أبدلهم بالنعمة نقمة وبالكثرة قلة وبالحياة موتًا وبالعمارة خرابًا؟ ألست أعطيت الأنبياء جميع ما وعدتهم من النصرة على أعدائهم والتمكين لهم في الأرض . فينبغي أن تكون عادتك يا محمد الصبر عليهم ، فإنه تعالى إنما يمهل للمصلحة فلا بد من الرضاء والتسليم ، وإن شق ذلك على القلب . واعلم أن بدون ذلك يحصل التسلية لمن حاله دون حال الرسول عليه السلام ، فكيف بذلك مع منزلته ، لكنه في كل وقت يصل إليه من جهتهم ما يزيده غمًا ، فأجرى الله عادته بأن يصبره حالًا بعد حال ، وقد تقدم ذكر هؤلاء المكذبين وبأي جنس من عذاب الاستئصال هلكوا .

وههنا بحث ، وهو أن هذه الآية تدل على أنه سبحانه يفعل به وبقومه كل ما فعل بهم وبقومهم إلا عذاب الاستئصال فإنه لا يفعله بقوم محمد A وإن كان قد مكنهم من قتل أعدائهم وثبتهم . قال الحسن: السبب في تأخر عذاب الاستئصال عن هذه الأمة أن ذلك العذاب مشروط بأمرين: أحدهما: أن عند الله حد ( ًا ) من الكفر من بلغه عذبه ومن لم يبلغه لم يعذبه والثاني: أن الله لا يعذب قومًا حتى يعلم أن أحدًا منهم لا يؤمن ، فأما إذا حصل الشرطان وهو أن يبلغوا ذلك الحد من الكفر وعلم الله أن أحدًا منهم لا يؤمن ، فحينئذ يأمر الأنبياء فيدعون على أممهم فيستجيب الله دعاءهم فيعذبهم بعذاب الاستئصال وهو المراد من قوله: { حتى إِذَا استيئس الرسل } [ يوسف: 110 ] أي من إجابة القوم ، وقوله لنوح: { أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ من قد آمن } [ هود: 36 ] وإذا عذبهم الله تعالى فإنه ينجي المؤمنين لقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت